آخر تحديث :الجمعة-03 أبريل 2026-03:56ص

حين تختزل الأمة نهضتها في الطبيب والمهندس: مأزق الوعي التعليمي في مجتمعاتنا

الخميس - 02 أبريل 2026 - الساعة 10:27 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


لم يكن اندفاع آلاف الطلاب نحو كليات الطب والهندسة مجرد خيار أكاديمي بريء، بل هو انعكاس مباشر لوعي اجتماعي ترسّخ عبر عقود، يختزل النجاح في مسارين ضيقين، ويمنح الشرعية والاعتبار لمن يسلكهما، بينما يدفع ببقية التخصصات، خصوصًا العلوم الإنسانية، إلى هامش التقليل والتهميش.


في هذا السياق، لا يصبح اختيار التخصص تعبيرًا عن ميول الفرد وقدراته، بل استجابة لضغط اجتماعي كثيف، يبدأ من الأسرة ولا ينتهي عند المؤسسة التعليمية. يتفاخر الآباء بابنهم “الطبيب” و”المهندس”، وكأنهما اللقبان الوحيدان الجديران بالاحتفاء، فيما يُنظر إلى دارسي العلوم الإنسانية باعتبارهم أقل كفاءة أو حظًا، لا باعتبارهم حملة مشروع فكري ومعرفي لا غنى عنه لأي نهضة حقيقية.


المشكلة هنا لا تكمن في قيمة الطب أو الهندسة، فهما من أعمدة أي مجتمع حديث، لكن الخلل يكمن في تحويلهما إلى معيار وحيد للنجاح، وإفراغ بقية الحقول المعرفية من معناها ودورها. فالطبيب، مهما بلغ من المهارة، لا يستطيع تفسير ظواهر العنف الاجتماعي، ولا فهم ديناميكيات السلطة، ولا تحليل أسباب الفشل التنموي. والمهندس، مهما أبدع في التصميم، لا يمكنه وحده بناء مجتمع مستقر أو صياغة سياسات رشيدة.


وهنا تبرز أهمية العلوم الإنسانية، لا كترف فكري، بل كشرط ضروري لفهم الواقع وتغييره. فالعلوم الإنسانية هي، في جوهرها، العلوم التي تدرس الإنسان: فكره، وسلوكه، وثقافته، وتاريخه، وعلاقاته داخل المجتمع. وهي التي تحاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى التي تحدد مصير الأمم: لماذا نتخلف؟ كيف نتقدم؟ كيف تُدار الدولة؟ ولماذا تنشأ الأزمات؟


وتتوزع هذه العلوم على مجالات متعددة، لكل منها دوره في بناء الفهم العميق للمجتمع. فعلم الاجتماع يدرس بنية المجتمع وتحولاته، والعلوم السياسية تحلل السلطة وآليات الحكم، وعلم النفس يفكك دوافع السلوك الإنساني، بينما يقرأ التاريخ الماضي لفهم الحاضر وتجنب أخطائه. أما الفلسفة، فهي التي تصوغ أدوات التفكير النقدي، ويأتي الاقتصاد ليفسر حركة الموارد والأزمات، في حين يدرس علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) التنوع الثقافي، وتبحث الجغرافيا البشرية في علاقة الإنسان بمحيطه.


هذه الحقول مجتمعة لا تقدم معلومات مجردة، بل تبني رؤية؛ رؤية تفسر الواقع وتمنح القدرة على تغييره. ومن دونها، تتحول المجتمعات إلى كيانات تمتلك أدوات التنفيذ، لكنها تفتقر إلى البوصلة.


ولعل ما نعيشه اليوم من تخبط في فهم أزماتنا هو نتيجة مباشرة لهذا الخلل. فنحن نمتلك آلاف الخريجين في التخصصات التطبيقية، لكننا نفتقر إلى القدرة على تفسير ما يجري حولنا، أو وضع استراتيجيات فعالة للخروج من أزماتنا المتراكمة. إننا نواجه واقعًا معقدًا بعقول لم تُدرّب على تحليله.


الأخطر من ذلك أن هذا التصور المشوّه للعلوم الإنسانية لم ينشأ فقط من المجتمع، بل ساهمت في ترسيخه، بقصد أو بغير قصد، المؤسسات التعليمية نفسها، حين تعاملت مع هذه التخصصات كخيار ثانوي، لا كحقل استراتيجي. وهكذا، نشأت أجيال ترى في هذه العلوم ملاذًا للمتأخرين، لا ميدانًا لصناعة الوعي.


إن الأمم لا تنهض بكثرة الشهادات، بل بقدرتها على فهم ذاتها. ولا يكفي أن نُخرّج أطباء ومهندسين، ما لم نُخرّج أيضًا من يفهم الإنسان الذي سيعالجونه، والمجتمع الذي سيبنون له. فالتنمية ليست مجرد مشاريع وبنى تحتية، بل هي قبل ذلك رؤية، وهذه الرؤية لا تُصنع إلا في فضاء الفكر.


من هنا، فإن أي حديث جاد عن النهضة يجب أن يبدأ بإعادة النظر في العملية التعليمية برمتها، لا من حيث المناهج فقط، بل من حيث الفلسفة التي تقوم عليها. نحتاج إلى إعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية، لا كشريك ثانوي، بل كقلب العملية المعرفية، وإلى تحرير الطالب من ضغط التصنيف الاجتماعي، ليتجه نحو ما يناسب قدراته وشغفه.


إن معركتنا الحقيقية ليست مع قلة التخصصات، بل مع فقر الفهم. وما لم ندرك أن بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسات، وأن فهم الواقع شرط لتغييره، سنظل ندور في حلقة مفرغة، نكرر أخطاءنا، ونستغرب نتائجها.


باختصار:

لسنا بحاجة إلى مزيد من الأطباء والمهندسين فقط، بل إلى عقول قادرة على أن تسأل: لماذا نحن هنا؟ وكيف نخرج؟