آخر تحديث :الأربعاء-01 أبريل 2026-10:55م

أمانة التربية.. نداء ليقظة الأم

الأربعاء - 01 أبريل 2026 - الساعة 09:14 م
رجاء حمود الإرياني

بقلم: رجاء حمود الإرياني
- ارشيف الكاتب


تُعدّ التربية من أعظم الأمانات التي أودعها الله في أعناق الآباء والأمهات، فهي ليست مجرد واجب يومي ينتهي بانتهاء مهامه، بل رسالة ممتدة الأثر، عميقة الجذور، تُسهم في صناعة إنسانٍ صالحٍ لنفسه ولمجتمعه. وفي قلب هذه الرسالة تقف الأم، بما تحمله من عاطفة فطرية، وقرب دائم، وتأثير مباشر في تشكيل شخصية أبنائها. ومن هنا يأتي هذا النداء الصادق: ليقظة الأم، تلك اليقظة التي لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة في زمن تتسارع فيه التحديات وتتشابك فيه المؤثرات.


إن يقظة الأم تبدأ من إدراكها أن طفلها ليس مجرد كائن يحتاج إلى الطعام والملبس والتعليم، بل هو مشروع إنسان يحتاج إلى بناء متوازن يشمل العقل والقلب والسلوك. فالتربية الحقيقية لا تقتصر على توجيه الأوامر أو تصحيح الأخطاء، بل هي عملية مستمرة من الغرس والرعاية والتقويم، تقوم على الحب والاحتواء، وتستند إلى الحكمة والصبر.


وفي عصرنا الحالي، لم يعد الأبناء يعيشون في دائرة الأسرة والمدرسة فقط، بل أص

بحوا جزءًا من عالم واسع مفتوح، تدخل إليه الأفكار والقيم عبر الشاشات الصغيرة قبل أن تعبر أبواب البيوت. وهنا تتجلى أهمية يقظة الأم التي لا تكتفي بالمراقبة السطحية، بل تسعى لفهم ما يتعرض له أبناؤها، وتواكب اهتماماتهم، وتفتح معهم أبواب الحوار دون خوف أو انغلاق. فالحوار الواعي يُنشئ ثقة، والثقة تفتح القلوب، ومن خلالها يمكن للأم أن توجه وتصحح وتبني.


إن الأم اليقِظة تدرك أن القسوة لا تُنشئ جيلًا قويًا، كما أن الإهمال لا يُنتج شخصية متزنة. فهي تمشي بخطى متوازنة بين الحزم والرحمة، بين التوجيه والحرية، فتعطي أبناءها مساحة للتجربة، لكنها لا تتركهم دون بوصلة. وهي تعلم أن الخطأ جزء من التعلم، فتُحسن التعامل معه، وتحوّله إلى فرصة للنمو، لا إلى سبب للخوف أو الانكسار.


ومن أهم مظاهر يقظة الأم أن تكون قدوة حقيقية لأبنائها؛ فالأبناء يراقبون التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويتأثرون بالسلوك أكثر من الكلام. حين يرون الصدق في حديثها، والرحمة في تعاملها، والانضباط في حياتها، فإنهم يتشربون هذه القيم دون حاجة إلى شرح طويل. فالتربية الصامتة أبلغ أثرًا من آلاف الكلمات.


كما أن الوعي التكنولوجي أصبح جزءًا لا يتجزأ من يقظة الأم. فالأجهزة الذكية لم تعد مجرد وسائل ترفيه، بل أصبحت أبوابًا مفتوحة على العالم بكل ما فيه من نافع وضار. والأم اليقِظة لا تكتفي بالمنع أو الإباحة المطلقة، بل تضع ضوابط، وتشارك أبناءها أحيانًا، وتوجههم لاختيار ما ينفعهم، وتزرع فيهم الرقابة الذاتية التي تبقى معهم حتى في غيابها.


ولا ينبغي أن نغفل الجانب العاطفي،

فكم من أبناء يعيشون في بيوت مستقرة ظاهريًا لكنهم يفتقدون الدفء والاحتواء. الأم اليقِظة تُنصت، تُشجّع، تُعبّر عن حبها، وتُشعر أبناءها بالأمان. فالكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والاحتضان الصادق، كلها أدوات تربوية لا تقل أهمية عن أي أسلوب آخر.


كما أن يقظة الأم تشمل حرصها على غرس القيم الدينية والأخلاقية في نفوس أبنائها، ليس بطريقة الوعظ المجرد، بل من خلال المواقف اليومية، والربط بين السلوك والإيمان، وتعويدهم على مراقبة الله في السر والعلن. فالقيم حين تُغرس مبكرًا تصبح جزءًا من هوية الإنسان يصعب اقتلاعها مهما تغيرت الظروف.


وفي خضم هذه المسؤوليات قد تشعر الأم بالتعب أو التقصير، وهنا يجب أن تدرك أن الكمال ليس مطلوبًا، وأن التربية رحلة تعلم مستمرة. فالأم اليقِظة لا تتردد في تطوير نفسها، وطلب المشورة، وقراءة ما ينفعها، فهي تدرك أن كل جهد تبذله اليوم هو استثمار في مستقبل أبنائها.


إن أمانة التربية ثقيلة، لكنها في الوقت ذاته فرصة عظيمة لصناعة جيل واعٍ نافع، يحمل الخير في نفسه وينشره في مجتمعه. والأم هي الركيزة الأولى في هذه المهمة، فإن صلحت يقظتها صلح البناء من أساسه.


فيا كل أم، كوني يقِظة لا قلِقة، حاضرة لا غائبة، حكيمة لا متسرعة، فبين يديك تنمو أرواح صغيرة تحتاج إلى نورك وحكمتك وحبك. ولعل أعظم ما تجنينه من هذه الرحلة أن تري ثمار تعبك يومًا في أبناء صالحين يرفعون رأسك ويكونون امتدادًا جميلًا لقيمك ورسالتك.