آخر تحديث :الثلاثاء-31 مارس 2026-10:57م

حين تُدار الحروب من الظل.. كيف تُسقِط الاستخبارات دولاً قبل أن تبدأ المعركة؟

الثلاثاء - 31 مارس 2026 - الساعة 05:49 م
د. سلطان مشعل

بقلم: د. سلطان مشعل
- ارشيف الكاتب


لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى حرباً تقليدية تُحسم في ساحات القتال وإنما تحول إلى نموذج متقدم لما يمكن تسميته بـ (حروب الظل) حيث تُدار المواجهة عبر الاستخبارات والهجمات السيبرانية والاختراقات البشرية العميقة، قبل أن تظهر أي دبابات أو طائرات في المشهد.


على مدى عقود، بقيت هذه الحرب منخفضة الحدة، تُخاض عبر التخريب الرقمي، والاغتيالات الدقيقة والصراعات بالوكالة.

ففي الحرب الاخيرة بين إيران وأذرعها من جهة وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى شهدت هذه الحرب تصعيداً نوعياً كشف عن تحول جذري في طبيعة الصراع فلم تعد الاستخبارات أداة مساعدة للحرب بل أصبحت هي الحرب نفسها.


في قلب هذا التحول برزت الحرب السيبرانية كأداة استراتيجية حاسمة. لم تعد مجرد وسيلة تجسس، بل تحولت إلى سلاح قادر على إحداث تدمير مادي مباشر، كما حدث في عمليات تخريب البرنامج النووي الإيراني.

فالاختراق الرقمي اليوم يمكنه شل أنظمة الدفاع وتضليل القيادات، وتهيئة ساحة المعركة قبل الضربة العسكرية، بل وحتى التأثير على وعي المجتمع عبر حملات التضليل والإرباك النفسي لكن البعد الأخطر لم يكن تقنياً فقط، بل بشرياً.

إذ أظهرت المواجهة اختراقاً استخباراتياً عميقاً داخل البنية الإيرانية مستفيداً من التنوع العرقي والاجتماعي ومن تحول أساليب التجنيد نحو الداخل الإيراني ذاته.

في المقابل حاولت إيران تنفيذ عمليات مضادة داخل إسرائيل ما يؤكد أن الصراع لم يعد خارج الحدود، بل داخل المجتمعات نفسها.


وفي ملف الأمن النووي تمحورت المعركة حول مفهوم (حافة القنبلة) أي الزمن اللازم لإنتاج سلاح نووي.

وهنا لعبت الاستخبارات دوراً حاسماً في إبطاء هذا الزمن دون إشعال حرب شاملة عبر مزيج من التخريب الإلكتروني والاختراق العملياتي والاستحواذ على معلومات حساسة كما في عملية الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني.

أما الذروة فتمثلت في استهداف القيادات العليا، حيث لم يعد اغتيال القادة مجرد عمل عسكري، بل نتيجة سلسلة معقدة من جمع المعلومات وتحليلها وتوظيفها لحظةً بلحظة. وقد كشف اغتيال المرشد الأعلى لإيران عن مستوى غير مسبوق من التكامل بين الاستخبارات البشرية، والتقنية، والعمليات العسكرية، كما عكس في الوقت ذاته هشاشة منظومات الأمن الداخلي حين تُخترق من الداخل.

الأخطر من ذلك أن الحرب الحديثة دخلت طور: الحرب الخوارزمية.

فبفضل الذكاء الاصطناعي، أصبح بالإمكان تحليل كم هائل من البيانات الاستخباراتية وتوليد "بنك أهداف" ديناميكي، يسمح بتنفيذ مئات الضربات الدقيقة خلال ساعات، بما يشل القدرات الاستراتيجية للخصم بسرعة غير مسبوقة.


الخلاصة أن ما نشهده ليس مجرد صراع بين دول، بل إعادة تعريف لمعنى الحرب ذاته. فالدولة التي تُخترق استخباراتياً، وتُعطّل سيبرانياً، وتُفكك من الداخل، قد تنهار قبل أن تخوض معركتها الأولى.

في هذا العالم الجديد لم تعد الدول تُهزم حين تُقصف! بل حين تُفهم من خصمها أكثر مما ينبغي.


ويبقى السؤال :

أكو عرب ؟!