آخر تحديث :الإثنين-23 مارس 2026-05:27ص

البديل الآمن: أبعاد استراتيجية الحرب في “منطقة المتوسط” من بوابة الردع الشامل

الإثنين - 23 مارس 2026 - الساعة 12:46 ص
د.باسم المذحجي

بقلم: د.باسم المذحجي
- ارشيف الكاتب


أسباب تصاعد الجدل بشأن تقييم حرب إيران بصورة مستمرة “Update”، تقوم على تزايد التهديدات الإيرانية، وقرب انتهاء مهلة ترمب الـ48 ساعة بضرورة فتح مضيق هرمز، وتزايد تخوف الرأي العام من ارتفاع الطموحات الإسرائيلية، وإصرار إيران على حشر الدول العربية والخليجية في حربها المدمرة.


أثناء الحرب، قد نملك أنواعًا من الردع، مثل الاستراتيجي والشامل والمعدل، حيث يُعرّف الردع الاستراتيجي (Strategic Deterrence) بأنه سياسة تهدف إلى منع العدو من اتخاذ سلوك عدائي أو ش

ن هجوم، من خلال التهديد باستخدام قوة كبيرة ومؤثرة (غالبًا نووية أو تقليدية ذات قدرة تدميرية هائلة)، بحيث تكون تكلفة الهجوم باهظة جدًا على الطرف المعتدي.


الردع لا يعني استخدام القوة، بل التلويح بها بشكل مقنع لتغيير حسابات الخصم ومنعه من التصرف العدائي أصلًا. ويُعرّف الردع سياسيًا أيضًا بأنه حالة محسوبة تهدف إلى دفع الخصم إلى الإقدام على عمل ما أو منعه من الإقدام عليه، عبر التهديد بالعقاب الحازم أو المساومة والابتزاز السياسي واحتواء النزاع.


لكن ما أهمية الردع في زمن الحرب؟ وكيف يُستخدم كسياسة وأسلوب في زمن الحرب؟


سنقدم طرحًا بسيطًا:


هل تُطلق الدول العربية استراتيجية جديدة في “منطقة المتوسط”؟


نعم، تمتلك نوعين: رد بالعقاب ورد فاعل جماعي. حيث استضافت الرياض اجتماعًا لدول عربية وإسلامية لبحث الأمن الإقليمي “تشاوري الرياض”، وضم جمهورية أذربيجان، ومملكة البحرين، وجمهورية مصر العربية، والمملكة الأردنية الهاشمية، ودولة الكويت، والجمهورية اللبنانية، وجمهورية باكستان الإسلامية، ودو

لة قطر، والمملكة العربية السعودية، والجمهورية العربية السورية، وجمهورية تركيا، ودولة الإمارات العربية المتحدة.


هذا النوع من الردع إن انتقل من الدفاع إلى الهجوم سيعني بطبيعة الحال شن حرب مدمرة، منطلقها ثلاث دول حدودية مع إيران، على رأسها باكستان النووية، وتركيا عضو حلف الناتو، وأذربيجان التي تعد عماد جماعات انفصالية مناوئة لطهران. وقد تتسع رقعة الحرب لتشمل بقية دول حلف الناتو، وتشجع تمرد فصائل الأكراد على الفور وغيرها.


وهذا الردع يحقق شروطًا ممتازة، أولها أنه مستند إلى قاعدة قوة حقيقية تمكّن المهدِّد من تنفيذ تهديده بنجاح، خاصة أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في صف دول الخليج. ويضاف إلى ذلك أن إيران تُعد ورقة تفاوض بالنسبة لروسيا، قد تُضحّي بها كما فعلت مع العراق ذات يوم. أما الصين فلن تُضحي بمصالحها العربية الخليجية لصالح أجندات نظام دولة مارقة.


وبالعودة إلى مفهوم الردع، وفقًا لكل من بول هاث وبروس، اللذين يعرفانه بأنه محاولة من صانعي القرار في دولة ما لإجبار صانعي القرار في دولة أخرى على التجاوب مع مطالبهم. ويُلاحظ على هذا التعريف أنه يقدم خيار الصراع على خيار التعاون من خلال إشارته إلى “الإجبار”، لأنه يفترض وجود طرف أو أطراف لديها القدرة الفعلية على إجبار الآخرين على القيام بفعل ما أو الامتناع عنه.


ولا ننسى كذلك زيارة المارد المصري عبدالفتاح السيسي لدول الخليج ضمن سياق نظرية الردع المعدل، وهي استراتيجية أمنية وسياسية حديثة مصرية تطورت لتتجاوز المفاهيم التقليدية للردع التي كانت تعتمد أساسًا على القوة العسكرية المباشرة أو التهديد النووي، إلى مفهوم أشمل وأكثر مرونة يتناسب مع طبيعة التهديدات المعاصرة.


وهذا يعني أن أبعاد استراتيجية الحرب في الشرق الأوسط ستعنى بتوسيع الوجود العسكري، والدخول في ش

راكات متعددة، مع أولوية واضحة لحماية المصالح الخليجية.


كما تجدر الإشارة إلى أن مضمون نظرية “الردع المعدل” يكمن في القدرة على حسن توظيف الإمكانات والقدرات المتاحة لدى الدول لتحقيق استراتيجية الردع المعدل دون مخالفة الأعراف والقواعد الدولية لحفظ السلم والأمن الدوليين.


وتعتمد هذه النظرية على عدة عناصر أساسية لضمان فاعليتها، منها:


تعدد الأدوات: إذ لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل تدمج أدوات اقتصادية ودبلوماسية وسيبرانية.

ربط المصالح العربية الاقتصادية والسياسية مع الأقليات مثل الأكراد والترك والتركمان والأرمن والأمازيغ واليهود والشيعة، إضافة إلى دول الجوار والإقليم، لضمان عدم الاعتداء.


وقد حققت هذه الأفكار الإبداعية نجاحًا استراتيجيًا في احتواء إسرائيل، وطي صفحة الخلافات الحدودية، وتأطير المصالح ضمن مفهوم المواطنة العالمية والتعايش السلمي. فإسرائيل كان هدفها الاستراتيجي وما زال أن تكون جغرافيًا آمنة ومحاطة بدول أكثر أمانًا.


لكل ما سبق، فإن البديل الآمن للحشد الشعبي وعصائب الحق وغيرها من مليشيات العراق، وحزب الله اللبناني، وجماعة أنصار الله “الحوثيين”، يتمثل في عدم توسيع دائرة الحرب، والبقاء خارج غرفة عمليات الحرس الثوري الإيراني، والانتقال من شرعية تمثيل السلاح والأيديولوجيا المتطرفة إلى شرعية الدولة الوطنية والقومية وصناديق الاقتراع.