آخر تحديث :الخميس-19 مارس 2026-10:33م

عندما يقف القلبُ على عتبةِ الوداع..

الخميس - 19 مارس 2026 - الساعة 07:24 م
د. سعيد سالم الحرباجي

بقلم: د. سعيد سالم الحرباجي
- ارشيف الكاتب



حين تقترب لحظاتُ الوداع، ويطوي رمضانُ آخرَ صفحاته...

يقف المؤمن على تخوم مشهدٍ مهيب؛ كأنّه يقف بين بابين عظيمين:

بابٍ يُغلق مودِّعًا موسمًا من الطاعات، وبابٍ يُفتح مُبشِّرًا بفرحة العيد. وفي تلك اللحظات تختلط في القلب مشاعرُ الشوق والرجاء، والحزن والسرور.

حزنٌ على فراق موسمٍ امتلأت فيه الأرواح قربًا من الله، وسرورٌ بتمام النعمة وإكمال العبادة.


هكذا يرحل رمضان... لا كضيفٍ عابر، بل كعمرٍ صغيرٍ مكتمل، عشنا فيه كثافة الحياة، ونقاء الروح، وصدق الرجوع.


وفي هذه اللحظات تتزاحم في النفس مشاعرُ لا تُحسن التعبير....

شيءٌ من الامتنان لأننا شهدناه، وشيءٌ من الحزن لأننا لا ندري أَنَشهدُه مرةً أخرى، أم يكون قد مرّ مرورَ الوداع الأخير......


وهنا يبرز القلبَ يلوّح له من بعيد، وهو يعلم أن بعض ما كان فيه لن يعود كما كان..

صفاءُ السَّحر، ورقّةُ الدعاء، وطمأنينةُ الركعات الطويلة حين ينسحب العالم ويبقى العبد وربّه.


رمضان لم يكن زمنًا فحسب، بل كان مرآةً رأينا فيها حقيقتنا دون زيف..

رأينا قدرتنا على الانتصار على الشهوة، وعلى تهذيب الغضب، وعلى إعادة ترتيب الأولويات حين يتقدّم معنى الآخرة على صخب الدنيا.


لذلك فإن وداعه ليس حزنًا على انقضاء شهر، بل خشيةٌ من أن ينقضي فينا ذلك الإنسان الذي كنّاه فيه.

وما بين دمعة الوداع وبسمة العيد، يقف المؤمن متأملًا:

ماذا بقي من رمضان في قلبه؟ هل كانت الطاعات عابرةً كغيمةٍ صيفية عابرة، أم أنها زرعت في روحه بذورًا ستنمو على مهل؟

فليس العيدُ إعلانًا بانتهاء العبادة، بل هو اختبارٌ صامت.... هل تغيّرنا حقًا، أم أننا كنا نزور الطاعة زيارةً مؤقتة؟


إن أجمل ما في هذه اللحظة أنها ليست نهايةً خالصة، بل بدايةٌ مضمرة.

فمن عرف الطريق في رمضان، لا يتيه عنه بعده، ومن ذاق لذّة القرب، لا يرضى بالبعد.

وهكذا يتحوّل الوداع إلى عهدٍ داخلي:

أن يبقى شيءٌ من رمضان فينا، في خُلُقنا، في صلاتنا، في علاقتنا بالله، وفي رحمتنا بالناس.


يمضي رمضان… وتمضي معه أيامٌ من نور، لكن أثره الحقيقي لا يُقاس بما مضى، بل بما يبقى. فطوبى لقلبٍ لم يودّعه وداع المفارق، بل وداعَ من ينتظر اللقاء، ويستبقي العهد، ويعيش بعده على أمل العودة… وعلى وفاء الطريق.