آخر تحديث :الخميس-19 مارس 2026-10:33م

عيدُ الديار حين يغلبُ دفء اللمة بردَ الظروف

الخميس - 19 مارس 2026 - الساعة 07:21 م
عيدروس المدوري

بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب


بعد سنوات من العدّ عدّ الأيام عدّ الحوالات وعدّ نبضات الحنين في غربة باردة أجد نفسي هذا العام أستقبل عيد الفطر في وطني العودة لم تكن مجرد تذكرة طيران بل كانت قراراً بالانحياز للروح على حساب المادة واليوم وبينما يطرق العيد أبوابنا وسط ظروف معيشية لا تخفى على أحد أجدني أتساءل كيف نبتسم وجيوبنا تشتكي؟

في الغربة كان العيد أنيقاً ملابس فاخرة طاولة عامرة بافخم المطاعم واتصال فيديو نقتنص فيه ملامح أهلنا لكنه كان عيداً معلباً ينقصه صوت تكبيرات المسجد الذي نشأنا فيه ورائحة بخور العيد وحتى زحام الشوارع المزعج .

اليوم العيد في البلاد يفتقر ربما لتلك الأناقة المادية لكنه يفيض بحياة لا تشتريها العملات الصعبة .

لا أحد ينكر ضيق ذات اليد ولا أحد يتجاهل أن كسوة العيد باتت هماً يؤرق كاهل الآباء لكنني كعائد من بلاد الرفاهية الباردة أرى ما قد يغيب عن عين المقيم .

تكبيرات العيد تلك النبرة الجماعية التي تشعرك أنك لست وحدك، وأننا جميعاً في الهم شرقُ .

رائحة الكعك التي تفوح من البيوت المتلاصقة معلنةً أن الفرح فعل مقاومة وليس مجرد ترف .

سلام الجار تلك المصافحة التي تعيد لك هويتك التي كادت تذوب في بلاد التباعد الاجتماعي .

إن العيد في وطني المثقل بالجراح ليس يوماً للاستعراض بل هو يوم لتضميد الأرواح باللقاء ومواساة القلوب بالكلمة الطيبة .

نعم، الأسعار كاوية والظروف خانقة وربما يتساءل البعض ألم تندم على ترك الغربة في هذا التوقيت ؟ الإجابة تكمن في وجوه الأطفال وهم يركضون بملابس قد تكون بسيطة لكن فرحتهم بها أصلية . العيد في البلاد يعلمنا أن القيمة في المعية لا في الملكية .

نحن لا نحتفل لأننا بخير تماماً بل نحتفل لأننا أحياء ولأننا معاً العيد هذا العام هو صرخة في وجه اليأس وتأكيد على أن أغلى ما نملك هو هذا التلاحم الذي يجعل الرغيف الواحد يكفي عشرة والضحكة الواحدة تُنسي ألف غصة .

كل عام وأنتم صامدون محبون ومجتمعون العيد بالناس والناس هنا رغم كل شيء لا يزالون يعرفون كيف يصنعون ضيق العيش سعة في القلب .