آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-10:57م

عدن تنادي أبناءها

الخميس - 12 مارس 2026 - الساعة 09:21 م
المحامي / جسار مكاوي

بقلم: المحامي / جسار مكاوي
- ارشيف الكاتب


في كل مرحلة من مراحل تحرير مدينة عدن تعود بنا الذاكرة الوطنية إلى حقيقة راسخة لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها وهي أن أبناء هذه المدينة كانوا دائمًا في مقدمة الصفوف يقفون لها كالمتراس الحامي يذودون عنها حين تضيق بها السبل و يستجيبون لندائها كلما داهمها الخطر أو حاولت قوى الهيمنة كسر إرادتها أو النيل من روحها المدنية التي عُرفت بها عبر التاريخ..لم تكن عدن يومًا مدينة تستسلم بسهولة و لم يكن أبناؤها غرباء عن معارك الدفاع عنها..فمنذ المراحل الأولى التي مرت بها المدينة في تاريخها الحديث ظل أبناؤها حاضرِين في كل منعطف ينهضون كلما ظن البعض أن المدينة قد أنهكتها الظروف أو أرهقتها التحولات..و في كل مرة كانت عدن تثبت أن قوتها الحقيقية تكمن في أهلها و في ذلك الرابط العميق الذي يجمع بينهم وبين مدينتهم..لقد شهدت عدن محطات عديدة واجهت فيها تحديات قاسية وكان أبناؤها دائمًا هم السند الحقيقي لها سواء في مواجهة الاحتلال أو في مواجهة محاولات إخضاعها و إفراغها من مضمونها الحضاري و الإنساني و في كل تلك اللحظات الفارقة كان النداء واحدا عدن تنادي أبناءها..وما حدث في أحداث عام 2015 لم يكن استثناءً من هذه القاعدة التاريخية..فقد وقف أبناء عدن ومعهم أبناء الجنوب صفًا واحدا دفاعا عن مدينتهم و قدموا التضحيات الجسام حتى استعادت المدينة أنفاسها و خرجت من تحت وطأة الحرب و الدمار ..غير أن تحرير المدن لا يكتمل فقط بخروج القوة التي اقتحمتها أو حاولت إخضاعها بل يكتمل حين تُصان روح المدينة و تُحفظ كرامتها و تُدار شؤونها بما يليق بتاريخها و تضحيات أهلها فالتحدي الحقيقي يبدأ غالبًا بعد انتهاء المعارك حين تصبح مسؤولية البناء و الحفاظ على الهوية والذاكرة مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن مسؤولية التحرير ذاته..لقد مرت عدن بعد العام 2015 بمرحلة معقدة اختلطت فيها مشاعر الفرح بالخلاص مع واقع جديد مليء بالتحديات..و في خضم ذلك الواقع ظهرت أصوات عديدة حاولت التحدث باسم المدينة و ادعاء تمثيلها بل وكتابة رواية مختلفة عن حقيقة ما جرى فيها. لكن التاريخ مهما حاول البعض إعادة صياغته يبقى شاهدًا على أن المدن لا يحررها إلا أبناؤها و أن الذين يقفون في الخطوط الأولى دفاعا عنها هم الذين يكتبون صفحاتها الأصيلة..إن عدن التي عرفها العالم مدينةً للمدنية و الانفتاح والتعايش لا يمكن أن تتحول إلى ساحة للصراع على النفوذ أو إلى غنيمة يتقاسمها القادمون إليها من كل اتجاه. فهي ليست مجرد جغرافيا أو ميناء أو موقع استراتيجي إنها روح و هوية وتاريخ طويل من النضال والعمل والتنوع الإنساني..ومن هنا فإن الحديث عن عدن اليوم يجب أن ينطلق من مسؤولية أخلاقية و تاريخية تجاه هذه المدينة وأهلها..فليس من العدل أن تُختطف روايتها ولا أن يُهمّش دور أبنائها الذين حملوا عبء الدفاع عنها في أصعب الظروف..عدن اليوم لا تنادي أبناءها من أجل معركة سلاح فقد دفعت ما يكفي من التضحيات لكنها تناديهم من أجل معركة الوعي والحفاظ على هويتها ومن أجل استعادة دورها الطبيعي كمدينة للحياة و العمل و التعايش لا كساحة للفوضى أو مسرح للمصالح الضيقة .

إن الوفاء الحقيقي لعدن لا يكون بالشعارات بل بالعمل على حماية مكانتها و صون تاريخها و إعادة الاعتبار لدورها الذي عرفت به عبر عقود طويلة..فالمدن العظيمة لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها بل على قدرة أبنائها في كل جيل على حمل مسؤولية الحاضر وصناعة المستقبل..ولهذا تبقى الحقيقة التي يعرفها الجميع مهما حاول البعض تجاهلها أو الالتفاف عليها..أن عدن حين تنادي أبناءها فإنها تنادي أولئك الذين عرفوا قيمتها و عرفوا أن هذه المدينة لم تكن يومًا غنيمة لأحد بل بيتًا واسعًا لأهلها و ذاكرة حيّة لا يمكن لأحد أن يحتكرها أو يختطفها .