آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-10:05م

وهم المُنقذ واغتيال الثورة

الخميس - 12 مارس 2026 - الساعة 05:33 م
عيدروس المدوري

بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب


تُعلمنا تجارب التاريخ المقارن أن الثورات ليست مجرد هبات عاطفية أو انفجارات غضب لحظية بل هي سيرورة تراكمية من الوعي والعمل المنظم وأخطر ما قد يواجه أي مشروع تحرري هو شخصنة القضية أي اختزال مصير أمة أو شعب في كاريزما فرد واحد وتفويض القرار الكلي لـ قائد ملهم ينتظر منه الجميع اجتراح المعجزات بينما يكتفي الشعب بدور المتفرج .

إن الثورة التي تعتقد أن النصر معلق بكلمة من قائد أو بمناورة من زعيم هي ثورة تضع قدمها على أول طريق الفشل القيادة في جوهرها هي تنسيق للجهود وليست احتواءً للإرادات عندما يغيب وعي الشعب ويتحول إلى مجرد صدى لصوت القائد تفقد الثورة صمام أمانها فإذا أخطأ القائد ضاعت البوصلة وإذا غاب القائد انهار المشروع .

النصر ليس عطية يمنحها القادة لشعوبهم بل هو استحقاق ينتزعه الشعب بوعيه والتفافه حول المشروع لا حول الشخص .

الشعب مغيب الوعي هو ذاك الذي ينتظر من يقوده إلى الحرية دون أن يدرك أن الحرية هي ممارسة يومية ومسؤولية جماعية الوعي الحقيقي هو الذي يجعل المواطن شريكاً في صناعة القرار ومراقباً لأداء المؤسسات الثورية ومنتقداً للتجاوزات .

الثورة الناجحة هي التي تبني مؤسسات لا تموت بموت الأفراد .

الشعب الواعي هو الذي يدرك أن القائد هو خادم للقضية وليس مالكاً لها .

إن الانتقال من عقلية الفرد الملهم إلى عقلية الفعل المؤسسي هو المحك الحقيقي لنضج أي ثورة فالانتصارات الكبرى لا تصنعها الخطب الرنانة وحدها بل يصنعها التنظيم الدقيق والإدارة الحكيمة للموارد والرقابة الصارمة على الأداء وتوزيع الصلاحيات بحيث يكون كل فرد في المجتمع لبنة في جدار النصر .

إن الشعوب التي لا ترى النصر إلا من خلال فوهة بندقية القائد أو عبقريته السياسية هي شعوب لم تتحرر بعد من قيود التبعية الثورة الحقيقية هي التي تحرر العقول أولاً وتجعل من كل مواطن قائداً في مجاله ومن الوعي الشعبي سياجاً يحمي المكتسبات ويصحح المسارات .

النصر الذي لا يصنعه الجميع لن يستفيد منه الجميع والثورة التي يقودها وعي الشعب هي الوحيدة التي لا تضل طريقها نحو الحرية والعدالة .