آخر تحديث :الخميس-12 مارس 2026-10:57م

قصف عواصم الخليج: القربان الذي قدمه ترامب مجانا

الأربعاء - 11 مارس 2026 - الساعة 10:24 م
علاء الحسني

بقلم: علاء الحسني
- ارشيف الكاتب


عندما يقرر 'العم سام' أن يوقد عود ثقاب في غابة جارك فإنه لا يكلف نفسه عناء السؤال عما إذا كانت رياح الحريق ستأكل ثيابك أو تحرق سقف دارك هكذا تبدو الصورة اليوم في مشهد العبث الذي تقوده واشنطن وهي تجر المنطقة جرا إلى تنور حرب مع إيران، لم يخترها أهل الدار ولم يستشر فيها أحد تلك 'البلطجة' السياسية التي تمارسها الولايات المتحدة تحت غطاء 'تحالف مع الكيان' لم تعد تنطلي على طفل في أزقة المنامة أو دبي أو الدوحة، فالشريك الذي يدعي حمايتك هو نفسه من يفتح عليك أبواب الجحيم ثم يجلس في غرفه مكيفة وراء المحيطات ليرقب عداد القتلى وفواتير الأسلحة وهي تتصاعد


المتأمل في فصول هذه المسرحية الدامية يدرك أن واشنطن رمت بكل أعراف الأمم المتحدة ومجلس الأمن في سلة المهملات وقررت أن تمارس دور 'فتوة الحي' الذي يضرب متى يشاء وأينما يشاء وبينما كان العالم يرقب بصيص أمل في غرف المفاوضات الدبلوماسية لحل العقدة الإيرانية إذا بالصواريخ الأمريكية تسبق الكلمات وبدون سابق إنذار أو حتى إشارة لحلفائها في الخليج الذين وجدوا أنفسهم فجأة في 'عين العاصفة' لتتحول أراضيهم وأجواؤهم إلى ساحة تصفية حسابات وقبلة لصواريخ الرد الإيراني التي لا تفرق بين قاعدة أمريكية وبين عاصمة خليجية كانت حتى الأمس القريب واحة للأمان، إن المضحك المبكي في هذا 'التحالف' البلطجي بين أمريكا وإسرائيل كان حتى البارحة يملأ الدنيا ضجيجا عن احترام السيادة وهما أول من يدهس هذه السيادة تحت بسطارها العسكري حين تستخدم قواعدها المنتشرة في دول الخليج كمنطلقات لوجستية واستخباراتية لدعم عملياتها رغم أن دول المنطقة أعلنت بوضوح أنها لن تكون طرفا في هذا الصراع لكن 'الكاوبوي' لا يرى في الحلفاء سوى 'محطات وقود' ومدرجات هبوط مجانية متجاهلا تماما أن هذه القواعد التي تنطلق منها طائراته هي نفسها التي أصبحت اليوم مغناطيسا للقصف والدمار ليجد المواطن الخليجي نفسه يدفع ضريبة حرب لا ناقة له فيها ولا جمل سوى أن حليفه 'الأكبر' قرر أن يمارس جنون العظمة على حسابه،

انظروا إلى ما آلت إليه الأمور اليوم، تلك المدن التي كانت تناطح السحاب وتزهو بأضواء الحداثة تحولت بفعل التهور الأمريكي إلى ما يشبه 'مدن الأشباح' بعد أن توقفت نبضات الحياة في مطاراتها من الكويت والمنامة إلى الدوحة ودبي وتجمدت حركة الطيران وهرب السياح والمقيمون في موجات نزوح جماعي خوفا من شظايا صراع غبي


والأنكى من ذلك أن عصب الحياة في المنطقة وهو النفط والغاز توقف تكريره وتوزيعه بقرار اضطراري من دول الخليج التي وجدت نفسها أمام كارثة اقتصادية لم تكن في الحسبان وكل هذا لماذا؟ لأن واشنطن لم تحتمل فكرة أن تنجح الدبلوماسية ولأنها أدمنت العيش على دماء الآخرين وأموالهم،

ولا يقف العبث الأمريكي عند هذا الحد بل يمتد ليضرب الأمعاء ويسد البلعوم الذي يغذي الملايين فإغلاق مضيق هرمز ولو لبضعة أيام يعني وضع رقبة الخليج تحت مقصلة الجوع فالموانئ التي كانت تستقبل شريان الحياة توقفت والمدن التي اعتمدت في غذائها ومياه تحليتها على الممرات المفتوحة وجدت نفسها في 'علبة سردين' محكمة الإغلاق حيث لا رغيف خبز يطمئن الخائفين ولا شربة ماء تروي عطش العالقين خلف أدخنة البارود فمن يعوض هذه الشعوب عن أمنها الغذائي المهدد بفعل نزوة مقامر في واشنطن يرى في معاناة الشعوب مجرد أضرار جانبية لا تستحق التوقف


أما 'ملهاة' المنظومات الدفاعية فهي النكتة الأكثر سماجة في هذا الواقع المر فدول الخليج اليوم تتجرع فواتير باهظة لمنظومات 'باتريوت' و'ثاد' وغيرها التي تلتهم الميزانيات التهاما لكي تصد صواريخ ما كان لها أن تنطلق أصلا لولا 'التحرش' الأمريكي غير المحسوب فواشنطن تشعل الحريق ثم تبيعك 'طفاية حريق' بسعر خيالي وهي تبتسم، وفي النهاية تكتشف أن هذه الطفاية قد لا تعمل أمام حجم اللهب الذي صنعته يد 'الحليف' نفسه، إن حالة السخط التي تغلي اليوم في الأوساط السياسية والشعبية الخليجية هي النتيجة الطبيعية لهذا الاستغفال الممنهج فالعلاقة التي تقوم على وضع الصديق في فوهة المدفع دون علمه ليست تحالفا بل هي 'غدر' ببدلة رسمية وما يكتبه خليجيون مثل رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور أو غيره من كتاب وصناع رأي من رفع صوت العتب ما هو إلا فيض من غيض تجاه سياسة 'الرعاة' الذين لم يبقوا للرعية شيئا سوى الخوف وفواتير الدمار،

لقد حان الوقت لكي يفهم 'العم سام' أن دول الخليج ليست 'أضراراً جانبية' في مخططاته وليست ساحات تجارب لأسلحته فالتنمية التي بنيت بالعرق والدم عبر عقود لا يمكن أن تتبخر في ليلة وضحاها من أجل نزوة انتخابية في واشنطن أو لإرضاء غرور سيناتور مخرف أو تنفيذا لرغبات دراكولا تل أبيب 'النتن ياهو'، إن استقلال القرار الخليجي اليوم لم يعد حلما بل هو الرمق الأخير للبقاء فالمظلة التي كان يحتمي بها لم تكن سوى بيت عنكبوت نسجه الوهم وبعثره أول ريح للحقيقة والصديق الذي يتركك وحيدا تحت المطر بعد أن سرق مظلتك لا يستحق أن تشرع له أبواب دارك مرة أخرى