آخر تحديث :الثلاثاء-10 مارس 2026-10:55م

أنور إسماعيل الرحيل المذكور و المرض المنسي

الثلاثاء - 10 مارس 2026 - الساعة 08:47 م
عيدروس المدوري

بقلم: عيدروس المدوري
- ارشيف الكاتب


لم يكن رحيل المناضل أنور إسماعيل أحد أبرز وجوه الحراك الجنوبي في عدن مجرد غياب لواحد من جيل التأسيس بل كان مرآة عكست واقعاً مؤلماً لمناضلين كثر آثروا الكرامة على الاستجداء إن الرأي الذي تركه أنور في مرضه لم يُكتب في مقال بل كُتب في ملامحه المجهدة وصمته الطويل الذي انتهى يوم رحيله .​

​عُرف أنور إسماعيل بصوته الجهوري في الساحات منذ عام 2007 لكنه في سنواته الأخيرة اختار صوتاً مختلفاً صمت المحارب رأيه في المرض لم يكن شكوى من قضاء الله بل كان ترفعاً عن العبث السياسي لقد رأى في معاناته الشخصية جزءاً من معاناة مدينته عدن كلاهما يصارع من أجل البقاء بكرامة رغم شح الإمكانيات وجحود القريب قبل البعيد .

​الحقيقة التي تجلت بعد موته هي أن مرضه لم يكن مجرد عجز جسدي بل كان رسالة سياسية بليغة لقد عبّر رحيله عن هوة سحيقة بين رعيل الميدان الذين أطلقوا شرارة النضال وبين جيل الامتيازات الذين استثمروا تلك الشرارة إن رأي أنور في مرضه كما فهمه جمهوره ومحبوه هو أن الوفاء لا يجب أن يكون برقية عزاء متأخرة بل يجب أن يكون يداً ممدودة في حياة المناضل .

​هناك مفارقة حزينة في حياة أنور إسماعيل الرجل الذي كان يحرك الجماهير بكلمة وجد نفسه في مواجهة المرض العضال وحيداً إلا من أهله وقلة من الأوفياء هذا الرأي الصامت الذي انتهجه أنور كان بمثابة إدانة لكل من نسيه في زحام المناصب لقد اختار أن يموت كما عاش عفيفاً مترفعاً ومؤمناً بالقضية حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة .

​إن المقالات التي تُكتب اليوم عن أنور إسماعيل لا ترثي جسداً، بل ترثي قيمة الوفاء لقد كشف مرضه أن المناضل الحقيقي هو من يظل متمسكاً بمبادئه حتى لو دفع ثمن ذلك من صحته وراحته، وأن رأي الفقيد الحقيقي في مرضه هو أنه امتحان لضمير المجتمع والقيادة على حد سواء .

رحل أنور إسماعيل لكن صرخته الصامتة ستظل تدوّي في أروقة السياسة بعدن والجنوب لقد علّمنا أن المرض قد يهد الجسد لكنه لا ينال من عزة النفس وأن أعظم رأي يقدمه القائد هو ثباته عند المحن بعيداً عن أضواء الشهرة وزيف المناصب .