بقلم / عارف العيسائي
مرّ المجلس الانتقالي الجنوبي خلال السنوات الماضية بمرحلة معقدة، نتيجة توازنات سياسية لم تُحسب بدقة، وانفتاح واسع على مختلف القوى دون وضع معايير واضحة للانتماء إلى هيئات المجلس ومؤسساته. هذا النهج جعل المجلس يحمل عبئًا ثقيلًا أثقل كاهله، وكاد في لحظة من اللحظات أن يعصف به ويضعف حضوره في المشهد السياسي.
ومع مرور الوقت بدأت ملامح التصدع تظهر في شعبيته، في ظل حالة من القلق بين أنصاره وقواعده الشعبية. ولولا التحركات التي سبقت وتزامنت مع دخول حضرموت، وما تعرضت له قواتنا الجنوبية من عدوان بربري، لكان المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم في وضع لا يُحسد عليه.
لكن كما يقال: رب ضارة نافعة.
فالأزمة التي مر بها المجلس الانتقالي، رغم قسوتها ومرارتها والجرح العميق الذي تركته، كشفت في الوقت ذاته حقيقة الأعباء التي كان يحملها، وكيف تحول ذلك الحمل الثقيل إلى ما يشبه خنجرًا مسمومًا في خاصرته في أصعب المراحل الوطنية.
لقد جاءت تلك الأزمة، بكل ما فيها من ألم، أشبه بعملية جراحية اضطرارية لاستئصال جزء مصاب من الجسد حتى يتمكن بقية الجسد من التعافي. فكانت بمثابة لحظة كاشفة أزاحت جزءًا كان يهدد تماسك المجلس، ورفعت عن كاهله ثقلًا كبيرًا كاد أن يعصف به في لحظة حرجة من مسيرته.
ومن هنا، فإن عودة المجلس الانتقالي إلى واجهة المشهد السياسي بعد هذه التجربة يجب أن تكون عودة مختلفة؛ عودة مجلس أكثر تعافيًا وصلابة، وأكثر قدرة على الانطلاق بثقة نحو تحقيق أهداف الثورة الجنوبية التي خرج من أجلها الناس وضحى في سبيلها الشهداء.
ولا عذر بعد اليوم في التردد أو التراجع.
وفي الوقت ذاته، فإن المسؤولية لا تقع على القيادة وحدها، بل تقع كذلك على عاتق كل من صدمته الأحداث الأخيرة ودفعته إلى التمسك أكثر بخيار البقاء والثبات خلف قيادة المجلس، بقيادة الرئيس القائد اللواء عيدروس الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي.
إن المرحلة القادمة تتطلب يقظة أكبر، حتى لا تتكرر أخطاء الماضي. فلا ينبغي السماح للعناصر الانتهازية، ولا لأصحاب المواقف السياسية المزدوجة والمبادئ المتعددة، ممن يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالح الشعب والوطن، بالتسلل مجددًا إلى واجهة المشهد السياسي أو القيادي داخل المجلس الانتقالي الجنوبي.
كما لا يجب السماح بعودة الممارسات التي أساءت إلى سمعة المجلس في مراحل سابقة، والتي ساهمت في خلق الأزمة التي مر بها.
وفي المقابل، ينبغي الدفع بالعناصر الأكثر نزاهة وكفاءة وخبرة وتأهيل، ممن يشهد لهم تاريخهم بالثبات والوفاء، والذين خرجوا من رحم الثورة الجنوبية، وعُرفوا بإخلاصهم لتضحيات الشهداء وقضية الشعب.
هؤلاء هم الذين صهرتهم نيران الثورة، ولم تعصف بهم الأزمات، ولم تُحرفهم المغريات عن الأهداف الكبرى التي ناضل من أجلها شعب الجنوب.
أما الصمت أو المهادنة أو المجاملة بعد كل ما حدث، فإنها لا تعني سوى شيء واحد: التفريط بما دفع الناس ثمنه من تضحيات، وهو ما لا يجب السماح به في هذه المرحلة المفصلية.
فالمرحلة القادمة تتطلب وضوحًا وشجاعة في المواقف، لأن ما حدث يجب أن يكون درسًا لا يُنسى في مسيرة المجلس الانتقالي الجنوبي.