في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتسارع الأحداث العسكرية حول إيران وسط انخراط مباشر أو غير مباشر من قوى كبرى، أبرزها الولايات المتحدة، وبدعم واضح من إسرائيل. وبينما تتشكل ملامح معركة قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، يبرز سؤال ملحّ: أين يقف العرب من كل ما يجري؟ وما هو موقفهم الحقيقي من صراع قد يحدد مستقبلهم لعقود قادمة؟
صمت عربي أم حسابات معقدة؟
المشهد العربي يبدو – في ظاهره – متباعداً، يفتقر إلى موقف موحد أو رؤية استراتيجية جامعة. بعض العواصم تلتزم الحذر، وأخرى تنأى بنفسها عن الاصطفافات، فيما يكتفي البعض ببيانات دبلوماسية لا تعكس ثقل اللحظة. هذا التباين يعكس واقعاً عربياً مأزوماً، تراكمت فيه الخلافات السياسية، وتباينت فيه الأولويات الوطنية، وغابت عنه منظومة أمن جماعي حقيقية.
غير أن التساؤل الأهم يتجاوز الموقف الآني: ماذا لو انتهت المواجهة بإضعاف إيران أو إعادة تشكيلها سياسياً وعسكرياً؟ هل سيكون العرب خارج معادلة الترتيبات الجديدة؟ أم سيكونون مجرد متلقين لنتائج تُفرض عليهم؟
ماذا بعد إضعاف إيران؟
من منظور استراتيجي، استهداف دولة بحجم إيران لا يقتصر على تحجيم نفوذها الإقليمي، بل يرتبط بإعادة توزيع موازين القوى في الخليج والشرق الأوسط. وفي حال تم تحييد قدراتها العسكرية أو تقليص نفوذها، فإن الفراغ الناتج لن يبقى دون ملء. قوى دولية وإقليمية ستسارع لإعادة رسم مناطق النفوذ، والتحكم بخطوط الطاقة، والممرات البحرية، ومراكز القرار السياسي.
في هذا السياق، يبرز تخوف مشروع لدى كثير من المراقبين: هل سيكون الدور العربي فاعلاً في صياغة المرحلة المقبلة، أم سيجد نفسه خاضعاً لإرادة "القوة الغالبة" أياً كانت؟
بين فكرة الجيش العربي الموحد والواقع السياسي
الحديث عن جيش عربي موحد ليس جديداً، فقد طُرح منذ عقود في أروقة جامعة الدول العربية، لكنه ظل حبراً على ورق. التحديات ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية: اختلاف العقائد القتالية، تباين التحالفات الدولية، تضارب المصالح، وغياب الثقة المتبادلة.
ومع ذلك، فإن فكرة التنسيق الدفاعي المشترك – ولو في حدها الأدنى – تبدو أكثر إلحاحاً اليوم. ليس بالضرورة في صورة جيش مركزي واحد، بل عبر منظومة دفاع جماعي فعّالة، ومراكز قيادة مشتركة، وتبادل استخباراتي حقيقي، واستثمار في الكفاءات العسكرية المؤهلة علمياً وعملياً.
وحدة المصير… بين الشعارات والواقع
العرب يجمعهم أكثر مما يفرقهم: دين واحد، لغة مشتركة، تاريخ متداخل، ومصالح اقتصادية متشابكة. لكن هذه القواسم لم تتحول بعد إلى مشروع سياسي جامع. في زمن التكتلات الكبرى، من الاتحاد الأوروبي إلى التحالفات الآسيوية، يبدو العالم العربي وكأنه الحلقة الأضعف في معادلة إعادة تشكيل النظام الدولي.
الخشية التي تتردد في الشارع العربي ليست فقط من سقوط دولة هنا أو تغير نظام هناك، بل من أن يتساقط الجميع فرادى إن لم تُبنَ منظومة توازن تحمي الكل. فالتاريخ الحديث يُظهر أن الدول التي تفتقر إلى عمق استراتيجي وتحالفات متينة، تكون أكثر عرضة للضغط والإملاءات.
لحظة مراجعة أم انتظار المجهول؟
التحولات الجارية قد تستمر أياماً أو شهوراً أو سنوات، لكن المؤكد أن المنطقة مقبلة على مرحلة مختلفة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يستثمر العرب هذه اللحظة لمراجعة سياسات التباعد، وبناء حد أدنى من التوافق حول الأمن القومي المشترك؟ أم يواصلون إدارة الخلافات حتى تُفرض عليهم معادلات لا يملكون تغييرها؟
النهوض لا يبدأ بالخطابات، بل بإرادة سياسية صادقة، وإصلاح داخلي يعزز الاستقرار، واستثمار في الإنسان قبل السلاح، وبناء اقتصاد متين يقلل من الارتهان للخارج. فالقوة العسكرية دون قاعدة اقتصادية واجتماعية صلبة تظل محدودة الأثر.
الحرب الدائرة اليوم ليست حدثاً عابراً، بل مؤشر على صراع أوسع لإعادة هندسة المنطقة. وإذا كان تدمير "الأقوى" هو تمهيد لهيمنة جديدة، فإن غياب مشروع عربي جامع سيجعل الجميع عرضة للتهميش.
ربما تكون اللحظة حرجة، وربما لم يفت الأوان بعد. لكن التاريخ لا ينتظر المترددين، ومن لا يشارك في صياغة المستقبل، يُكتب عليه أن يعيش نتائج قرارات غيره.