آخر تحديث :الخميس-26 فبراير 2026-03:11م

حين يخون المثقف رسالته… فمن يوقظ الضمير؟ قراءة في كتاب (خيانة المثقفين) ،،

الخميس - 26 فبراير 2026 - الساعة 11:27 ص
د. سعيد سالم الحرباجي

بقلم: د. سعيد سالم الحرباجي
- ارشيف الكاتب


مؤلف الكتاب: جوليان بيندا (1867–1956)، فيلسوف وروائي وناقد ثقافي فرنسي.

فكرة الكتاب الأساسية:

يناقش جوليان بيندا في هذا الكتاب دور المثقفين في المجتمع، ويتهم كثيرًا منهم بأنهم خانوا رسالتهم الأخلاقية والفكرية عندما تخلّوا عن الدفاع عن القيم العليا، وانخرطوا في خدمة المصالح السياسية والقومية والطبقية.


وقد حذّر من هذه الكارثة مبكرًا حينما رأى كيف يتحوّل أصحاب الأقلام المأجورة من حرّاس للحقيقة إلى خدّام للسلطة، ومن شهود على العدل إلى صُنّاع لأقنعة الزيف.


والخيانة التي يقصدها هنا ...

ليست الخيانة السياسية المباشرة، بل الخيانة الفكرية والأخلاقية .

أي تخلّي المثقف عن دوره في الدفاع عن الحق والعدل والإنسانية والعقل، مقابل تبرير الظلم والتعصّب والسلطة.


فبحسب رأيه أنَّ المثقف كان يومًا ضمير الأمة، وصوتها الذي لا يُشترى، وعقلها الذي لا يُستأجَر.

أما اليوم، فقد صار كثير من المثقفين موظفين لدى السلطان، أو أدوات في يد الحزب، أو أبواقًا للتمويل…

يكتبون ما يُطلب منهم، ويصمتون عمّا ينبغي أن يُقال.


وهكذا تحوّلت الكلمة من رسالة إلى وظيفة، ومن أمانة إلى صفقة، ومن نور يهدي إلى دخان يُضلّ.

إن أخطر ما في خيانة المثقف أنها لا تُمارَس في الظل، بل في الضوء، ولا تُرتكب بالسيف، بل بالقلم.

فحينما يبرّر المثقف الظلم، ويُجمّل القمع، ويُقدّس الفشل....

فإنه لا يخون الحقيقة فحسب، بل يعيد تشكيل وعي الجماهير على صورة الزيف، ويمنح الطغيان غطاءً أخلاقيًا، ويُلبس الهزيمة ثوب النصر، ويؤجّج نار الطائفية، ويُغذّي الكراهية، ويُعمّق الانقسام.


فهو بهذا السلوك الٌلا أخلاقي يهدم ما بقي من جسور الثقة، ويمزّق النسيج الاجتماعي، ويقود المجتمع إلى هاوية صراع لا قرار لها.

وفي هذا المشهد، لا يعود السؤال: لماذا سقطنا؟

بل: كيف صمت من كان ينبغي لهم أن يصرخوا؟

إن الأمم لا تموت حين تُقهَر، بل حين تفقد قدرتها على قول: لا.

والمجتمعات لا تنهار حين تُهزَم، بل حين تُقنِع نفسها بأن الهزيمة قدر، وأن الاستبداد ضرورة، وأنٌ الفساد حكمة.


لقد كان المثقف يومًا ضمير الأمة، وكانت الكلمة عهدًا، وكان السؤال شجاعة، وكان الصمت خيانة…

وبظهور تلك الطبقة الطفيلية قِيٌَدت الكلمة وخُنِق السؤال ،وَأُجٌِر الضمير !!

حتى صار البعض يكتب لا ليكشف، بل ليُخفي.

ويتحدث لا لينقذ، بل ليُبرِّر.

ويصمت لا لحكمة، بل خوفًا.

ويخاف لا ضعفًا، بل حرصًا على الامتياز.

وهكذا تعبت الحقيقة من انتظار شهودها،

وسئمت العدالة من ترقّب أنصارها.


فكم هو موجع أن يتحوّل القلم من نور

إلى ستار، ومن رسالة إلى صفقة، ومن صلاة

في محراب العدالة إلى وظيفة.


هكذا حذّر (بيندا) من هذه الآفة الخطيرة، ونبّه من هذا السلوك المشين لكثير من المثقفين

الذين يتحوّلون إلى أدوات بيد صنّاع القرار، وإلى أبواق يُجمّلون قبح المستبد.


ولكن…

ورغم عتمة الليل الثقيل، ورغم الفضائع التي تُرتكب بحق الشعوب من قبل بائعي الضمائر ...

لا تزال في الزوايا البعيدة قلوب تُقاوم، وأصوات تهمس، وأقلام تكتب في الظل كي لا تموت الفكرة.


هناك من يؤمن أن الكلمة الحرّة – وإن خرجت مرتجفة – قادرة أن تُوقظ ألف ضمير، وأن الحقيقة – وإن انكسرت – تظل أصلب من الزيف.

ربما لا نملك أن نغيّر العالم..

لكننا نملك ألّا نكذب عليه.

وربما لا نستطيع إسقاط الظلم..

لكننا نستطيع ألّا نُزيّنه.


ففي زمن الخيانة الصامتة،

يكفي أن تكون وفيًّا للحقيقة

لتصير ثائرًا.

وفي زمن الزيف العلني ..

يكفي أن تقول: لا

لتصير حرًّا.

فقول كلمة (لا)

نقطة البداية وشرارة الانطلاق.