آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-01:44ص

الصيام روح واحدة… حين تلتقي الرحمة في الإسلام والمسيحية

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - الساعة 09:51 م
غسان جابر

بقلم: غسان جابر
- ارشيف الكاتب


في هذه الأرض التي باركها الله عبر التاريخ، حيث تتجاور المآذن مع أجراس الكنائس، يتجلّى الصيام في فلسطين بوصفه تجربة روحية عميقة تتجاوز حدود الطقوس لتلامس جوهر الإنسان. هنا، لا يُفهم الصيام باعتباره امتناعاً عن الطعام فحسب، بل كمسيرة تطهير للنفس، وتجديد للعلاقة مع الله، وارتقاء أخلاقي يقود إلى الرحمة والعدل والمحبة.


في فلسطين، يحمل الصيام معنى خاصاً، لأن الروحانية لا تنفصل عن الواقع، والإيمان لا ينفصل عن معاناة الإنسان وأمله. ومن القدس إلى غزة، يعيش المسلمون والمسيحيون مواسم الصوم باعتبارها زمناً للعودة إلى الله، وزمناً للوقوف إلى جانب الإنسان المتألم، وزمناً يتجدّد فيه الرجاء رغم الألم.


الصيام في الإسلام… تهذيب الروح وبناء التقوى


يشكّل شهر رمضان عند المسلمين مدرسة روحية متكاملة، يتعلّم فيها الإنسان أن يسمو فوق حاجاته الجسدية، وأن يضبط شهواته، وأن يطهّر قلبه من القسوة والغضب والأنانية. فالصيام ليس جوعاً مقصوداً لذاته، بل طريق إلى التقوى، أي إلى حضور الله في الضمير والوجدان.


ومن أعظم ثمار الصيام الإسلامي أنه يوقظ الحس الإنساني؛ فالجوع الذي يختبره الصائم يقرّبه من الفقير، والعطش يذكّره بالمحتاج، فيتحول الصيام إلى تضامن حيّ مع الآخرين، وإلى التزام عملي بالرحمة والعطاء. وهكذا يصبح الصيام تدريباً على إنسانية أعمق، وعلى مسؤولية أخلاقية تتجاوز الذات إلى المجتمع كله.


الصوم في المسيحية… طريق التوبة ونور القيامة


أما الصوم الكبير في المسيحية، فهو رحلة تأمل وتوبة تمتد أربعين يوماً، تهيّئ المؤمنين لمسيرة الألم والرجاء، ولحقيقة القيامة التي تولد من قلب المعاناة. إنه زمن التواضع، وضبط الذات، والانفتاح على محبة الله التي تتجلى في خدمة الإنسان.


في هذه المسيرة الروحية، يصبح الصوم تدريباً على المحبة العملية، وعلى الوقوف مع المظلوم، وعلى تحويل الإيمان من كلمات إلى أفعال رحمة وسلام. إنه زمن العودة إلى الجوهر: محبة الله، وخدمة الإنسان، وبناء السلام في عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى القلوب الرحيمة.


روح واحدة… رغم اختلاف الطريق


قد تختلف الممارسات والطقوس، لكن جوهر الصيام عند المسلمين والمسيحيين واحد: تطهير القلب، تهذيب النفس، تنمية الرحمة، وتجديد العهد مع الله.


الصائم في الإسلام والمسيحية يتعلم أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل، وأن العلاقة مع الله لا تكتمل إلا بخدمة الإنسان، وأن العبادة التي لا تقود إلى الرحمة تبقى ناقصة في معناها.


ولعل أجمل ما في فلسطين حين تتقارب مواسم الصوم، أن الزمن الروحي يصبح مشتركاً، والدعاء يرتفع من المساجد والكنائس معاً، والقلوب تتجه نحو السماء برجاء واحد: سلام عادل، ورحمة شاملة، وإنسان مكرّم في أرضه.


الصيام… عبادة تتجسد في الحياة


الصيام الحقيقي لا ينتهي مع غروب الشمس، ولا مع انتهاء الموسم الروحي، بل يبدأ أثره في السلوك اليومي: في كلمة طيبة، وفي يد ممدودة بالعطاء، وفي موقف ينحاز للحق، وفي قلبٍ يختار الرحمة على القسوة.


وهنا يلتقي جوهر الرسالتين العظيمتين، رسالة محمد صل الله عليه وسلم و رسالة يسوع المسيح عليه السلام، في دعوة واحدة للإنسان أن يكون مرآة للرحمة الإلهية في هذا العالم.


الصيام طريق المحبة


في فلسطين، يصبح الصيام أكثر من عبادة فردية… إنه شهادة إيمان حيّة، ورسالة رجاء، وجسر روحي يربط الإنسان بأخيه الإنسان، مهما اختلفت العقيدة أو الطريق.


فما أجمل أن نختم بهذه الكلمات الخالدة التي تختصر روح الصيام ومعناه:


قال رسول الله محمد صل الله عليه وسلم : «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».


وقال السيد المسيح عليه السلام: «طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون».


وهكذا يلتقي صوت النبوة وصوت الإنجيل… على طريق الرحمة، وعلى درب السلام، وفي دعوة أبدية لأن يكون الإنسان إنساناً.


م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.