آخر تحديث :الجمعة-20 مارس 2026-11:57م

رجال الميدان… حين تصنع التضحية قادة لا تُنسى سيرتهم

الأحد - 15 فبراير 2026 - الساعة 08:31 ص
رأفت العزيبي

بقلم: رأفت العزيبي
- ارشيف الكاتب


تعرفت خلال سنوات الحرب على قادةٍ لم يكونوا مجرد أسماء في سجلات المعارك، بل كانوا رجالاً صنعتهم المواقف القاسية وامتحنتهم ميادين القتال. عرفتهم عن قرب حين كنت في صفوفهم، فرأيت فيهم حرصاً استثنائياً على أفرادهم، وشجاعة لا تُضاهى في مواجهة العدو، وقلباً مثقلاً بالقلق على جنودهم الذين كانوا بالنسبة لهم أغلى من حياتهم. خلال سنوات قضيتها في الساحل الغربي منذ حرب 2015، كان العديد من القادة حاضرين في الصفوف الأمامية، يجسدون صفات نبيلة تعكس حقيقة الأبطال الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن الوطن بإيمان وصبر.


لا تزال كلمات الشيخ عبدالرحمن اللحجي راسخة في ذاكرتي، حين قال: “لم أصل إلى هذا المنصب إلا بفضل الله ثم فضل أبطالنا”. لم تكن تلك الكلمات مجرد تواضع عابر، بل كانت انعكاساً حقيقياً لشخصية قائد عاش بين جنوده واحداً منهم، يخشى عليهم أكثر مما يخشى على نفسه. كان حريصاً على أفراد لوائه حرص الأب على أبنائه، يضع شروطاً واضحة قبل كل معركة، ويؤكد أن تحرير الوطن لا يكون إلا بالحفاظ على أرواح المقاتلين وصون كرامتهم. سيرته مليئة بالدروس التي تستحق أن تُروى، فقد جمع بين التواضع والإخلاص ومحبة الناس، وكان مثالاً للقائد الذي يقدّم الواجب قبل أي اعتبار آخر.


في شخصيته تجلت السلفية كمنهج وسلوك قبل أن تكون شعاراً، قولاً وفعلاً، ممثلة في القائد العميد الشيخ المجاهد عبدالرحمن اللحجي، القائد السابق للواء الثالث عمالقة. كان قائداً ميدانياً لا يعرف التراجع، حمل الأمانة بإخلاص لله ثم لوطنه، وتقدم الصفوف في أصعب المعارك. خاض المواجهات ضد جماعة الحوثي منذ اللحظات الأولى، وكان حاضراً في دماج وعدن، ثم قائداً في باب المندب وذوباب والمخا وموزع، حيث شارك مع رفاقه في تحرير تلك المناطق، قبل أن يواصل التقدم في جبهات الحديدة، من الجبلية والجاح والشجيرة وصولاً إلى كيلو 16، في مسيرة قتالية طويلة رسمت ملامح مرحلة كاملة من الصراع.


أتحدث عن هذا القائد من واقع عشته بنفسي، وعاشه زملائي وكل من خدم في اللواء الثالث عمالقة. لم تكن صفاته مجرد روايات تُحكى، بل حقائق لمسناها يومياً؛ زهد وورع وتواضع قلّ أن تجتمع في قائد عسكري. وأشهد لله ثم للتاريخ أن الرجل لم يتعامل مع المسؤولية باعتبارها سلطة، بل أمانة، فكان من أوائل من حرصوا على إنصاف أسر الشهداء، ومنحهم حقوقهم، وتوزيع الأراضي لهم، والاهتمام بالجرحى والمعاقين لضمان حياة كريمة تحفظ تضحياتهم.


ومن الحديث عن قائدٍ إلى آخر، نصل إلى القائد حمدي، رمز منطقة صبيحة ولحج، والذي عرفته ميادين القتال مجاهداً صلباً لا يلين. أُصيب خلال المواجهات وأُسر لدى الميليشيات المدعومة من إيران، وسُجن في صنعاء، قبل أن تتكلل جهود المخلصين من أبناء صبيحة ورجال أوفياء من شمال صنعاء بخروجه، ليفتح له الطريق نحو عدن لتلقي العلاج. لم توقفه الجراح ولا الأسر، فعاد سريعاً إلى ساحات القتال، وشارك في معارك تحرير عدن، وكان ضمن المقاتلين الذين اقتحموا معسكر العند إلى جانب رفاقه، في واحدة من أبرز محطات المواجهة.


لم تتوقف مسيرته عند ذلك الحد، بل استمرت في جبهات الكرش والساحل الغربي والشرقي، حيث واجه تهريب السلاح والمخدرات، وتصدى لعصابات الفساد بحزم وإصرار. بذل جهداً كبيراً في حماية الأرض من كل ما يهدد أمنها واستقرارها، جامعاً بين العمل العسكري والدور الأمني، ومؤمناً بأن المعركة لا تقتصر على مواجهة العدو في الجبهات، بل تشمل أيضاً حماية المجتمع من مظاهر الفوضى والانحراف.


لقد كان حميد شكري، ومعه رجال عدن وصبيحة وغيرهم من أبناء الوطن، نموذجاً للرجال الذين حملوا المسؤولية بإيمان وشجاعة. رجالٌ ربّوا أبناءهم على التمسك بالقيم والعقيدة، ووقفوا في وجه الظلم والإرهاب والمخدرات والعنف بإصرار لا يعرف التراجع. كان للكبار والشيوخ في عدن حضورٌ مؤثر في مقاومة القهر والتصدي لكل ما يهدد المجتمع، مؤكدين أن قوة الأوطان لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالقيم التي تحمي الإنسان قبل الأرض.


هذه المسيرة ليست مجرد سرد لذكريات الحرب، بل شهادة على بطولات رجال ساروا على درب الحق دفاعاً عن وطنهم، وقدموا نموذجاً للقائد الذي يسبق جنوده إلى الخطر، ويحمل همّهم قبل أن يحمل سلاحه. إنها حكاية رجال كتبوا أسماءهم بالفعل لا بالقول، وظلت تضحياتهم شاهدة على مرحلة لن ينساها التاريخ.