كان مُلهِمي وقدوتي، كنتُ أرى فيه رحمة الأب الودود، وعاطفةَ الأخِ الكبير، وحكمةَ الصديقِ الناصح، وهيبةَ المربي القدوة. حتى حين تلبّدت السماء بغيوم الفتنة، وتعكّر صفو الماء بأيدي المُحرِّشين، ظلّ نقيَّ السريرة، صافياً في طبعه، نبيلاً في أصله، كجبلٍ لا تهزّه العواصف، ولا تغيّر ملامحه تقلباتُ الطريق.
ازداد ثباتاً كلما اشتدّ الاضطراب من حوله، وكأن نقاءه كان احتجاجاً صامتاً على قبح الفتنة، ودرساً عملياً بأن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالضجيج ولا بالمواقف الصاخبة، بل بقدرة الإنسان على أن يبقى نفسه حين يفقد الآخرون أنفسهم.
لم أُخالطه كثيراً كما خالطه غيري، لكنني حفظت من القليل كثيراً: تواضعاً لا يتصنّع، وحِلماً لا يضعف، وشجاعة لا تضجّ، وثباتاً لا يتزلزل، ومروءةً تُشبه معدن الرجال الأوائل، وكرماً يسبق السؤال.
حين تكون بين يديه، تتلاشى كل صور القادة في وقاره وهيبته، لا لأنه يتعالى، بل لأن حضوره يفرض احترامه بلا جهد. تحسّ أنه يسيطر على ما حوله لا بالقوة، بل بالاتزان، لا بالصوت العالي، بل بالطمأنينة العميقة.
فتجد نفسك ممتلئاً ثقة، كأن سكونه يمنحك يقيناً، وكأن ثباته يربط قلبك بالأمان، فتدرك أن القيادة الحقّة ليست في كثرة الأتباع، بل في عمق الأثر، وليست في الصخب، بل في السكينة التي تبعث الطمأنينة في النفوس.
كم كانت تملأ قلبي السعادة لمجرّد أن أشعر بوجوده، كأن اليوم قد صار عيداً، وكأن للزمن نكهة أخرى حين يحضر.
عندما أجلس إليه، أزداد ثقةً بنفسي دون أن أشعر، وكأن حضوره يرمم ما في الداخل من تردّد، ويوقظ في الروح يقينها بنفسها. ثم أغادره محمّلاً بالحكمة والمعرفة، وبآدابٍ جمّة، كأنني خرجت من مدرسة أخلاق لا من مجلس حديث.
ظرفه لا يفارقه، وابتسامته لا تنتقص من وقاره، بل تزيد هيبته جمالاً، فهو يجمع بين صرامة الوقار ورقة الدعابة، وبين عمق الحكمة وخفة الروح.
تدرك معه أن الهيبة الحقيقية لا تعني العبوس، وأن الوقار لا يناقض الإنسانية، بل يكتمل بها، وأن أعظم الرجال هم الذين يجعلون من حولهم أقوى، وأهدأ، وأكثر ثقة بأنفسهم وبالحياة.
وعندما غادرنا جسده، لم تغادرنا روحه، بقيت حيّة في تفاصيلنا، في قراراتنا، في لحظات عثرتنا. أجده أمامي كلما تعثّرت، فأسترشد بسيرته العطرة، وأسأل نفسي: لو كان هو هنا، كيف سيكون موقفه؟ وماذا سيقول؟ وأي طريق سيختار دون تردّد؟
فلا أبحث عن جوابٍ متكلّف، ولا عن بطولةٍ مصنوعة، بل عن ذلك الصفاء الذي كان يحسم به الأمور، وتلك البصيرة التي تكشف الحق بلا ضجيج، وذلك الاتزان الذي يجعل القرار شجاعاً دون أن يكون متهوراً.
هنا يتجلى وجه العبقرية في القدوة: لا ادّعاء، ولا حبّ للشهرة، ولا تزيّن بالمواقف، بل صدقٌ نقيّ، يجعل الإنسان عظيماً وهو لا يسعى لأن يُقال عنه عظيم.
هكذا ظلّ حيّاً فينا، مرشداً لا يُرى، وحاضراً لا يغيب، وصوتاً داخلياً نرجع إليه كلما أردنا أن نكون أوفى لأنفسنا، وأصدق مع مبادئنا، وأقرب إلى المعنى الحقيقي للرجولة والقيادة.
أسأل الله أن يجمعنا به واحبتنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا