في السياسة، كما في التاريخ، لا تُقاس الأحداث بحجم الضجيج الذي تُحدثه، بل بحجم التحولات التي تُطلقها. حادثة اقتحام مبنى صحيفة عدن الغد في عدن لم تكن مجرد اعتداء أمني أخر يضاف إلى سجل الفوضى، بل كانت لحظة كاشفة، تعرّت فيها عقلية القوة الغاشمة، وبرز في المقابل ذكاء الفرصة وحسن إدارتها.
ما أقدم عليه مسلحو عصابات المجلس الانتقالي لم يكن فعلاً سياسياً محسوباً، ولا خطوة أمنية مبررة، بل كان سلوكاً بدائياً يعكس أزمة وعي عميقة، وعجزاً مزمناً عن فهم طبيعة الصراع في زمن لم تعد فيه البنادق تصنع الشرعية، ولا القمع يفرض الرواية. بعد قرابة عقد من الزمن اعتاد فيه المجلس الانتقالي التعامل مع عدن بوصفها “مسرحاً مغلقاً”، ظن أن تكميم الصوت أسهل من مجابهة الفكرة، وأن اقتحام صحيفة سيُنهي تأثيرها. فكانت النتيجة عكسية تماماً.
الغباء هنا لم يكن في الفعل وحده، بل في تقدير العواقب. اقتحام عدن الغد حوّل صحيفة محلية إلى قضية رأي عام، ونقلها من دائرة الاستهداف المحلي إلى فضاء الاهتمام الإقليمي والدولي. في لحظة واحدة، انقلب المشهد: من محاولة إخضاع، إلى منح غير مقصود لمنصة إعلامية كي تقف في الضوء، لا في الظل.
في المقابل، برز ذكاء الصحفي ورئيس مؤسسة عدن الغد للإعلام، فتحي بن لزرق، الذي لم يتعامل مع الحادثة بمنطق الضحية الباكية، ولا بخطاب الانفعال، بل بعقل سياسي هادئ يدرك أن الأزمات، حين تُدار بوعي، تتحول إلى جسور عبور لا إلى جدران انسداد. استثمر الحدث أخلاقياً وإعلامياً، فكان خطابه متزناً، وموقفه واضحاً، ورسائله دقيقة، ما جعله محل احترام وتعاطف ومتابعة.
خلال أيام قليلة، فُتحت أمام الرجل والمؤسسة أبواب لم تكن لتُفتح بهذه السرعة لولا تلك “الخطوة الغبية”. لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الحضور في مؤتمر إعلامي دولي في الرياض، ثم اللقاء بسفير الولايات المتحدة لدى الجمهورية اليمنية… كلها مؤشرات على انتقال عدن الغد من مجرد صحيفة محلية مُحاصَرة، إلى فاعل إعلامي يُنظر إليه باعتباره صوتاً مؤثراً في المشهد اليمني، وقادراً على تمثيل خطاب وطني يتجاوز الاصطفافات الضيقة.
المفارقة القاسية للمجلس الانتقالي أن الفعل الذي أراد به كسر الهيبة، ساهم في صناعة الرمزية. أراد إسكات الصوت، فرفعه. أراد تحجيم الحضور، فوسّعه. وأراد إخافة الصحافة، فإذا به يذكّر الداخل والخارج بأن حرية الإعلام في عدن ما زالت معركة مفتوحة، وأن من يدّعي تمثيل الجنوب يمارس، في الواقع، أكثر الأساليب بدائية في قمع الرأي.
سياسياً، ما حدث يضيف دليلاً جديداً على أن المجلس الانتقالي يعيش أزمة سردية وأزمة شرعية معاً. فالقوى الواثقة من مشروعها لا تقتحم الصحف، ولا تخاف من الكلمة، ولا تتعامل مع الإعلام كعدو. أما القوى التي تفعل ذلك، فهي تعترف – دون أن تدري – بضعفها، وبأنها عاجزة عن الإقناع، فتلوذ بالقوة.
في المقابل، صعود فتحي بن لزرق لا يمكن قراءته فقط بوصفه نجاحاً شخصياً، بل باعتباره نموذجاً لتحول أوسع: كيف يمكن للإعلامي، حين يمتلك الحد الأدنى من الوعي الوطني والذكاء المهني، أن يحوّل الاستهداف إلى منصة، والضغط إلى نفوذ، والظلم إلى فرصة. هنا تتجلى الحكمة القديمة: ليس كل من يملك السلاح يملك التأثير، وليس كل من يُقمع يُهزم.
حادثة عدن الغد ستبقى علامة فارقة، لا لأنها كشفت عن وجه القمع فحسب، بل لأنها أظهرت أيضاً أن زمن السيطرة الصمّاء يتآكل، وأن العالم لم يعد يتعامل مع الأحداث بمنطق الرواية الواحدة. في هذا الزمن، الغباء السياسي يصنع خصومه بيده، والفرص تذهب دائماً إلى من يعرف كيف يلتقطها.
وهكذا، في مشهد واحد، تراجع وهرب من ظن نفسه القوة الوحيدة، وصعد صوت وطني وحدوي حمل الكلمة لا البندقية، والعلم لا العصا.
وشتان بين من يخسر المعركة وهو يظن أنه ينتصر، ومن يربح المستقبل لأنه فهم اللحظة جيداً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الخميس ٥ فبراير ٢٠٢٦م