بقلم: د/ عارف محمد عباد السقاف
في قلب الحديث عن الدولة والعدالة والشراكة الوطنية، يبرز سؤال موجع لا يمكن تجاهله يتعلق بمحافظة لحج، وتحديدا مديريتي الحوطة وتبن. سؤال لا يطرحه الفراغ، ولا تحركه نزعة مناطقية ضيقة، بل تفرضه حقائق صلبة على الارض، وواقع سياسي اختار ان يغض الطرف عن كفاءات حقيقية لصالح حسابات لا علاقة لها بالدولة ولا بمفهومها الحديث.
الحوطة وتبن ليستا هامشين في الجغرافيا ولا في التاريخ، بل هما من اكثر مناطق لحج غنى بالكوادر المتعلمة، واصحاب الخبرات العلمية والادارية، ورجال الفكر والثقافة والمعرفة. ومع ذلك، وبصورة تثير الدهشة والاستياء، تغيب هذه المديريتان تماما عن مواقع القرار العليا. لا وزير، ولا مسئول سيادي، ولا وكيل وزارة، ولا حتى مدير عام، وكأن ابناء الحوطة وتبن خارج معادلة الوطن، او ان كفاءتهم لا تستحق حتى ان تختبر.
هذا الواقع لا يمكن تفسيره باعتباره صدفة، ولا يمكن تبريره بحجة نقص الكفاءة، فالكفاءات موجودة ومعروفة، وبعضها اثبت حضوره في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص و الاكاديمي داخل اليمن وخارجه. ما يجري هو تهميش ممنهج، و اقصاء سياسي مقصود، يعكس خللا عميقا في طريقة ادارة الدولة، ويكشف عن عقلية لا تزال ترى في السلطة غنيمة، وفي المناصب جوائز توزع وفق القرب والولاء لا وفق الاستحقاق والكفاءة.
ان المطالبة بحصة عادلة لابناء تبن والحوطة في مراكز النفوذ والسلطة ليست منة، ولا سعيا لامتياز خاص، بل هي استحقاق قانوني ووطني، يستند الى مبدأ الشراكة، والى حق كل منطقة قدمت للوطن ابناءها و كوادرها وعقولها ان تكون ممثلة في مؤسسات الدولة. دولة تقصي جزءا من ابنائها و تغلق في وجوههم ابواب المشاركة، لا يمكن ان تطلب منهم في الوقت نفسه الايمان بها او الدفاع عنها.
العدالة في التمثيل ليست ترفا سياسيا، ولا شعارا للاستهلاك الاعلامي، بل شرط اساسي لبناء دولة مستقرة وقادرة على الصمود. دولة يشعر فيها المواطن، اينما كان، انه شريك في القرار، لا متفرج على صراع نخب لا ترى في السلطة سوى وسيلة لتكريس النفوذ واعادة انتاجه.
انصاف الحوطة وتبن، وتمكين كفاءاتهما من الوصول الى مواقع القرار، ليس خدمة لمنطقة بعينها، بل خطوة ضرورية في طريق بناء دولة المواطنة والمؤسسات. دولة لا تقاس قوتها بعدد مراكز النفوذ، بل بقدرتها على استيعاب كل ابنائها، والاعتراف بكفاءتهم، ومنحهم الفرصة العادلة للمشاركة في صناعة المستقبل.