آخر تحديث :الجمعة-06 فبراير 2026-12:28ص

هل يستطيع الزنداني كسر منطق المحاصصة؟

الخميس - 05 فبراير 2026 - الساعة 12:18 م
د. أحمد بن اسحاق

بقلم: د. أحمد بن اسحاق
- ارشيف الكاتب


لم يكن تأخّر إعلان الحكومة مجرد مسألة إجرائية، بل عكس حجم التعقيد الذي يحيط باللحظة السياسية الراهنة. فقبل الإعلان، بدت واضحة محاولات تهيئة المشهد أمنيا وسياسيا، في مسعى لتطبيع الحياة وفرض حدٍّ أدنى من الاستقرار، وتهيئة الرأي العام لقبول حكومة جديدة في ظرف استثنائي.


غير أن هذا التأخير أعاد إلى الواجهة سؤالا جوهريا لا يتعلق بالأسماء بقدر ما يتعلق بالنهج: هل نحن أمام محاولة جادة للانتقال إلى حكومة قادرة على الفعل، أم أمام إعادة إنتاج لمنطق المحاصصة والمناصفة بصيغ مختلفة؟


مطالب المجلس الانتقالي الجنوبي -المُعلن مؤخرًا عن حلّ نفسه- بالمناصفة لا تنفصل عن الواقع القائم. فالجنوب اليوم هو المساحة التي تتحرك فيها الشرعية، بعد سيطرة الحوثيين على معظم الشمال، وهو ما عزّز خطابا سياسيا يرى في الجنوب أرض الدولة المتبقية، ويطالب بترجمة هذا الواقع إلى نفوذ سياسي مباشر داخل الحكومة. غير أن تحويل هذا الواقع إلى قاعدة دائمة لتقاسم السلطة يحمل مخاطر كبيرة، لأنه ينقل الدولة من منطق الإدارة إلى منطق الحصص، ويحوّل الحكومة من أداة إنقاذ إلى ساحة توازنات هشة.


أزمة اليمن اليوم ليست أزمة تمثيل فقط، بل أزمة ثقافة سياسية. فالإقصاء أنتج صراعات مفتوحة، والمحاصصة أنتجت حكومات ضعيفة، بلا قرار ولا مساءلة. وبين هذا وذاك، ظل المواطن خارج المعادلة، يدفع ثمن الفشل المتكرر.


البديل ليس تجاهل موازين القوى، ولا القفز على الهواجس الجنوبية أو الشمالية، بل الانتقال إلى منطق الاحتواء. احتواء القوى الفاعلة دون اختطاف مؤسسات الدولة، واحتواء التنوع السياسي دون شلّ القدرة على الإنجاز. فالاحتواء لا يعني إرضاء الجميع، بل إدارة الخلاف داخل إطار الدولة، لا على حسابها.


الحكومة القادمة، أيا كانت تركيبتها، لا تواجه أزمة وزارة أو حقيبة، بل تواجه أزمة دولة. فهي لا تبدأ من نقطة الصفر، بل من تراكم أزمات: اقتصاد هش، جهاز إداري مترهل، موارد معطلة، وخدمات تآكلت حتى مست حياة الناس اليومية. في مثل هذا السياق، يصبح الانشغال بالمحاصصة ترفا سياسيا، بينما التحدي الحقيقي هو الانتقال من إدارة التوازنات إلى إدارة الانهيار، ومن منطق الترضية إلى منطق القرار، ومن الخطاب العام إلى سياسات واضحة قابلة للقياس والمساءلة.


السؤال عن قدرة رئيس الحكومة المكلّف على إحداث هذا التحول ليس سؤالا شخصيا بقدر ما هو سؤال عن حدود الممكن في هذه المرحلة. فحتى مع توفر القناعة، تبقى القدرة مرهونة بوجود غطاء سياسي يسمح بالقرار، واختيارات عملية تثبت أن الكفاءة معيار لا شعار، وإدارة متوازنة تميّز بين الشراكة السياسية والإدارة التنفيذية.


اليمن لا يحتاج اليوم إلى حكومة ترضية، بل إلى حكومة تحتوي الجميع دون أن تُختطف من أحد. حكومة تعترف بالوقائع، لكنها لا تستسلم لها، وتدير التنوع السياسي كقوة لا كذريعة لتقاسم الفشل. فالانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الاحتواء ليس قرارا إداريا اعتياديا، بل معركة وعي وإرادة، وقد تكون الحكومة القادمة فرصة لبدء هذا التحول إن أُحسن استثمارها، أو حلقة جديدة في سلسلة الإخفاق إن أُديرت بعقلية الأمس.