في حمّى شدّة العواصفِ السياسية، في أيّ مكان، يفضّل المعلّقون الانتظارَ حتى تنجليَ الأمور قبل التورط في التعليق والتحليل، على أمل اتّضاح الرؤية، وتبدو للعيانِ الحقائق. في ليبيا بعد فبراير (شباط) 2011 العواصفُ السياسية لا تتوقَّف، كل واحدة تلد أخرى، مختلفة. آخرها كانَ عاصفة يوم الثلاثاء الماضي، في بقعةٍ من منطقةِ الحمادة الحمراء قربَ بلدة الزنتان في جبل نفوسة، وأدّت إلى اغتيال نجل العقيد القذافي ووريثِه سيف الإسلام. العاصفة الأخيرة حدثت في وضح النَّهار. التقاريرُ الأوليَّة تؤكد أنَّ مقتلَ سيف الإسلام تمّ عند الساعة الثانيةِ والنصف ظهراً.
الغبار لم ينجلِ بعد. لكن المعلوماتِ الأولية تتحدَّث عن قيام مجموعةٍ مسلحةٍ ومدربة صغيرة، قيل إنَّها لا تتجاوز 4 أشخاص، تمكَّنوا من التَّسلل إلى مكانِ إقامته، وتعطيلِ كلّ كاميرات المراقبة ثم قتله، ولاذوا بالفرار، من دون أن يتركوا أثراً وراءهم. وبذلك، طويت باختفائهم صفحةٌ أخرى من صفحات الصّراع الليبي على السلطة. وبدأت صفحةٌ جديدة، الله وحدَه أعلم من سيكتبها، ومن سيكون ضحاياها؟
الإعلان عن عملية الاغتيال ظهر في مواقع الإنترنت الليبية، في وقت يفصل بين صلاتي العصر والمغرب، بإدراج منشور يشير إلى احتمال مقتلِ سيف الإسلام القذافي. التأكيد على مقتلِ نجل العقيد القذافي جاءَ بعدَ وقتٍ قصير من الإدراج الأول، قادماً من القاهرة ملتحفاً بسواد، في إدراج نشره أحدُ كبار مستشاري سيف السياسيين. عندها تحركت طاحوناتُ وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، ولم تتوقف الجعجعة حتى الآن، من دون طحين.
مقتلُ سيف الإسلام القذافي كان متوقعاً ولكنه جاء مفاجئاً في التوقيت. وكانَ سيفُ القذافي لا يجهل حقيقة أنَّه مستهدف، الأمرُ الذي دفع به إلى أخذ الحيطة والحذر، واللجوءِ إلى الاختفاء عن الأنظار، في تلك البقعة النائية من ليبيا، تحت حراسةٍ مشددة. وحين حدثَ المتوقع، ارتفعت بسرعة أصابعُ الاتهام في اتجاهات عدة، مشيرةً إلى أطراف عديدة في ليبيا وخارجها. رأسُ سيف الإسلام كانَ مطلوباً من أطراف عدّة. واعتُبر وجودُه حيّاً عقبةً كأداءَ أمام عقدِ انتخابات في ليبيا. أشخاصٌ مقرّبون منه أكدوا في مقابلات أجريت معهم في وسائل الإعلام بعد مقتله أنَّه تعرّض لمحاولات اغتيال سابقاً.
كانَ سيف الإسلام القذافي طيلةَ السنوات الماضية الغائبَ الحاضرَ في معادلة الصراع على السلطة في ليبيا وأصعبَ الأرقام. اختفاؤه الملحوظ عن الظهور في وسائل الإعلام لم يقد إلى اختفائِه فيما يحدث وراء كواليس عدّة، ولا من السيناريوهات التي كانت تُطبخ في عواصم عربية وإقليمية وغربية عدة.
البيان الصادر عن فريقه السياسي من القاهرة قال إنَّ اغتياله يعدّ اغتيالاً لعملية المصالحة. المصطلح «مصالحة» في المعجم السياسي الليبي فضفاض، يتَّسع أحياناً، ويضيق أحياناً أخرى حسب الظروف. والحقيقة التي لا يختلف حولها عاقلان أنَّ ظهور سيف الإسلام الفجائي في مركز انتخابي في جنوب ليبيا عام 2021، لتسجيل اسمِه في قائمة المترشحين للرئاسة، أفضى إلى وأد تلك الانتخابات. وأفضَى أيضاً إلى صدور تصريحات نارية في لندن وواشنطن. وجاءت أخرى من هولندا مقر المحكمة الجنائية الدولية تذكّر بأنَّه مطلوبٌ للمثول أمامها عن تهم بجرائم تنسب إليه، حدثت خلال أشهر الانتفاضة الشعبية ضد نظام والده في فبراير 2011.
عاصفة اغتياله تختلف عما سبقها من عواصف، كونها تفضي إلى إعادةِ تشكيل معادلة الصراع في ليبيا، بعد خلوّ الساحة منه. والطرف الذي يمثله سيفُ الإسلام غيرُ قادر على توفير البديل. وإذا كانَ اغتياله متوقعاً، فإنَّ السؤال عمَّن يقف وراء عملية الاغتيال يبرز قائماً برؤوس عدة تتحرك في اتجاهات عدة، وإن كانت المؤشرات الأولية تشير إلى جهات من خارج ليبيا. ذلك أنَّ عملية الاغتيال معقدة جداً. وتحتاج إلى منظومة استخباراتية يراها البعض لا تتوفر في ليبيا، كما أنَّ فريقَ الاغتيال كانَ صغيراً ومدرباً بشكل احترافي، يفوق إمكانات الجماعات المسلحة الليبية غرباً وشرقاً.
مواعيدُ مواسم العواصف الطبيعية في ليبيا متقلبة، والأمر نفسه ينطبق على عواصفها السياسية. العاصفة الحالية، في رأيي، ستلد أخريات في القريب العاجل، آخذين في الاعتبار أنَّ مفاوضات باريس بقيادة المبعوث الأميركي مسعد بولس بين حكومتي طرابلس وبنغازي بهدف دمج الاثنتين في واحدة، وصلت إلى طريق مسدود.
وأخيراً، نقول إنَّ هذا الاغتيال لن يساعد في عملية المصالحة، ولا أريد أن أكون متشائماً هنا إذا قلت إنَّ ليبيا لن تشهد سلاماً قريباً بعد هذه الحادثة، التي لا ضرورة لها. وكل ما نأمله ألا ينفجر الوضع وتنفلت الأمور إلى أسوأ من انفلاتها الآن، وعلى الليبيين ألا يزيدوا الأمر سوءاً، لأنَّ بلادهم في أسوأ حالاتها.