من حسن السياسة و تمام الرياسة حسن اختيار الأعوان الذين يقوم بهم السلطان.
فإن الحكم و السلطان لا يقوم إلا بالأعوان الذين هم عمد له و أركان.
فإن أحسن اختيارَهم و أدام اختبارَهم و بلا أخبارَهم استقامت البلاد و عم الخير العباد و كانت سياسته مرعيّة و عم العدل الرعيّة.
و إن أساء اختيارَهم و ترك اختبارَهم و لم يبل أخبارَهم اختلت البلاد و عم الشر العباد و كانت سياسته غير مَرْضِيَّة و عم الظلم البريّة.
و الوصف الجامع لحسن الاختيار تجده في قول إحدى ابنتي شعيب عليه السلام كما في كتاب الله عز و جل: (*إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ*).
فمن كان القوي الأمين له من الأعوان كان في الحق و العدل من الأعيان.
و من كان القوي الأمين له مُعِيْناً فقد ورد دون كدر ماءً مَعِيْناً.
و من كان القوي الأمين له جليساً كان له ناصحاً و مُذكِّراً و أنيساً.
فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (*من ولي منكم عملاً فأراد الله به خيراً جعل له وزيراً صالحاً، إن نسي ذكَّره، و إن ذكر أعانه*)
[رواه أحمد في مسنده و أبو داود في سننه و النسائي في المجتبى و الكبرى و اللفظ له].
و قال الأحنف بن قيس رحمه الله: (*لا يتم أمر السلطان إلا بالوزراء و الأعوان، و لا ينفع الوزراء و الأعوان إلا بالمودة و النصيحة، و لا تنفع المودة و النصيحة إلا بالرأي و العفاف*).
و قال رحمه الله: (*أعظم الأمور فيها (يعني: ضرر) على الملوك خاصة و على الناس عامة أمران، أحدهما أن يُحرموا صالح الوزراء و الأعوان، و الآخر أن يكون أعوانهم و وزراؤهم غير ذي مروءة و لا حياء*).
و قال رحمه الله: (*حلية الولاة و زينتهم وزراؤهم، فمن فسدت بطانته كان كمن غصّ بالماء و لم يصلح شأنه*).
[تاريخ دمش لابن عساكر].
فمن ظفر بالقوي الأمين ثم رغب عنه و ولّى المفسدين فقد خان رب العالمين و رسوله الأمين و أمانته و عباد الله المؤمنين: (*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ*):
إذا ما الله شاء صلاح قوم *** أتاح لهم أكابر مصلحينا
ذوي رأي و معرفة و فهمٍ *** و إعدادٍ لم قد يحذرونا
فلم يستأثروا بكثير جمعٍ *** و كانوا للمصالح مؤثرينا
و يسّرهم لفعل الخير فيما *** إليهم من أمور المسلمينا
و إن يشأ الأله فساد قومٍ *** أتاح لهم أكابر معتدينا
ذوي كِبْرٍ و مجهلةٍ و جبنٍ *** و إهمالٍ لما يتوقعونا
فظلوا يشرهون و يجمعونا *** و ليسوا في العواقبِ يفكرونا
و جاروا حيثما أُمروا بعدلٍ *** كأنْ قد قيل كونوا جائرينا
و ليحذر العاقل الموفق أشد الحذر ممن يطلب الولاية و الإمارة فالغالب أن نفسه بالسوء أمَّارة ففرّ من توليته فرارك من الأسد فبئس الروح و الجسد:
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (*إنّا و الله لا نولي على هذا العمل أحداً سأله و لا أحداً حرص عليه*)
[متفق عليه و هذا لفظ مسلم].
و روى ابن شبة في تاريخ المدينة عن سالم قال: بلغني أن عمر رضي الله عنه قال: (*لا يحب الإمارة أحد فيعدل*).
فمن رغب فيها كان ظالماً قاسطاً و من رغب عنها كان عادلاً مقسطاً.
كتبه: أبو الحسن جلال بن ناصر المارمي.