آخر تحديث :الجمعة-23 يناير 2026-12:46ص

القضية الجنوبية في ميزان الرياض بين مرونة الاحتواء وصلابة الجذور..

الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 09:13 م
ياسر عبده صالح الحبيل

بقلم: ياسر عبده صالح الحبيل
- ارشيف الكاتب


بينما تتجه الأنظار إلى الرياض بوصفها مركزاً لصياغة تفاهمات المرحلة المقبلة، تبرز القضية الجنوبية كأحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في المشهد اليمني والإقليمي،ففي أروقة الحوارات المفتوحة، يجد الجنوبيون أنفسهم أمام اختبار حقيقي يتمثل في القدرة على تحويل الزخم الشعبي المتراكم إلى مكاسب سياسية مستدامة، ضمن بيئة إقليمية تحكمها اعتبارات المصالح الجيوسياسية العليا لا الشعارات.


المجلس الانتقالي الجنوبي..بين مطرقة التفاوض وسندان القواعد الشعبية.

يقف المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم في قلب هذا المشهد المأزوم، مطالباً بالموازنة الدقيقة بين موقعه كسلطة أمر واقع وشريك في مجلس القيادة الرئاسي، وبين دوره كحامل لمشروع تحرري يمثل تطلعات الشارع الجنوبي،ويتمثل التحدي الجوهري في حوار الرياض في كيفية انتزاع اعترافات سياسية واضحة بخصوصية القضية الجنوبية، دون الانزلاق إلى استنزاف سياسي طويل الأمد أو القبول بدور ثانوي في مشاريع لا تعكس طموحات قواعده الشعبية، فكل تنازل يقدم على طاولة التفاوض سعياً وراء الشرعية الإقليمية، يقابله تساؤل مشروع في الساحات الجنوبية حول حدود هذا التنازل وجدواه السياسية.


سياسة الاحتواء...مرونة ظاهرية محددات صارمة، يتحرك الجنوبيون ضمن إطار ما يمكن تسميته بـ"الاحتواء السعودي"، وهو نمط من الإدارة السياسية يقوم على حوار بلا سقف معلن، لكنه محكوم بضوابط دقيقة وغير قابلة للتجاوز. يمنح هذا الأسلوب الأطراف شعوراً بالمرونة والانفتاح، غير أنه في جوهره يسعى إلى تذويب التباينات الحادة وإدارة الوقت عبر طاولات مستديرة لا تنتج بالضرورة حلولاً جذرية.


ويكمن الخطر في أن يكتفى بتعزيز التمثيل السياسي في الواجهات، بينما تبقى الجذور العميقة للقضية الجنوبية ومطالبها الشعبية الجوهرية معلقة بانتظار نضوج الظروف الدولية والإقليمية،مأزق التمثيل وإرادة الأغلبية الجنوبية، الرهان الحقيقي في حوار الرياض لا يكمن في إنتاج توافق نخبوي عابر، بل في مدى قدرة أي مخرجات على التعبير عن تطلعات الغالبية العظمى من أبناء الجنوب.


فالتاريخ السياسي يؤكد أن المشاريع التي لا تستند إلى قاعدة شعبية صلبة تظل هشة، وقابلة لإعادة التشكيل أو الانهيار عند أول منعطف،

إن تجاوز مبدأ تقرير المصير، أو القفز فوق التراكمات النضالية الطويلة للجنوبيين، لا يحول الحوار إلى أداة للحل، بل قد يجعله عاملاً إضافياً في تعميق الأزمة وتعقيدها.

ما قبل المواجهة الكبرى

ثمة حقيقة يتغاضى عنها البعض، وهي أن ما يجري في الرياض لا يمثل المنتج النهائي للمشهد السياسي، بل يأتي في سياق عملية "تأهيل سياسي" لمشاريع يفترض أن تلعب دوراً حاسماً في مواجهة أو مفاوضة الحوثي مستقبلاً. والانغماس في تفاصيل الخلافات البينية داخل المعسكر المناهض للحوثي قد يؤدي إلى استنزاف القوى الفاعلة، وتحويل استحقاقات الجنوب إلى مجرد أوراق تفاوضية في تسوية شاملة تدار بعيداً عن إرادة الشارع.


خلاصة

إن القوة السياسية لا تستمد فقط من الحضور على طاولات الحوار، بل من القدرة على البقاء كرقم صعب لا يمكن تجاوزه في أي تسوية قادمة. وعلى القوى الجنوبية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، أن تعي أن السياسة الرشيدة هي تلك التي تحول الأمنيات إلى حقائق موضوعية، وتجبر الإقليم والعالم على التعامل معها كأمر واقع، بعيداً عن أوهام الحلول الجاهزة أو التسويات المؤقتة.


✍️ ياسر الحبيل