يثير الحديث المتداول عن التشكيل الحكومي الجديد، عقب إستقالة رئيس الوزراء الدكتور سالم صالح بن بريك وتكليف الدكتور شائع محسن الزنداني، جملة من علامات الاستفهام المشروعة لدى الشارع، خصوصًا مع تسريبات تشير إلى بقاء وجوه وزارية سبق أن تمرست في مواقعها على الفساد والنهب، وشاركت في حكومات سابقة لم تحقق للمواطن سوى مزيد من الإفقار والانهيار.
المستغرب في الأمر ليس فقط إعادة تدوير هذه الأسماء، بل الإصرار على تقديمها كخيار “أولوية” في إدارة المرحلة، وكأن الوطن عقيم لا ينجب غير هذه الوجوه، أو كأن الشعب لا يستحق تمثيلًا نزيهًا وكفؤًا في سلطة يفترض أنها جاءت لخدمته لا لمراكمة الامتيازات.
لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن نظام المحاصصة كان واحدًا من أخطر الكوارث التي أصابت بنية الدولة، إذ جرى توزيع الوزارات كمغانم سياسية لا كمؤسسات سيادية، فغابت الكفاءة، وحضرت المصالح الضيقة، وتحولت الوزارات إلى إقطاعيات مغلقة تُدار خارج أي رقابة حقيقية. والنتيجة كانت دولة عاجزة، واقتصادًا منهارًا، ومواطنًا مسحوقًا يدفع ثمن فشل لم يكن شريكًا في صنعه.
اليوم، ومع كل تغيير حكومي، يتجدد أمل المواطن في أن يكون هذا التغيير حقيقيًا لا شكليًا، وأن يُترجم إلى حكومة كفاءات تعتمد التخصص معيارًا، والنزاهة أساسًا، والقدرة الإدارية شرطًا لا استثناء فيه. فليس من المنطق أن تُدار وزارات خدمية أو سيادية بأشخاص لا يمتلكون أي صلة علمية أو عملية بطبيعة مهامها، بينما تزخر الجامعات الوطنية بكوادر مؤهلة، وأكاديميين، وخبراء قادرين على إدارة مؤسسات الدولة وفق أسس علمية ومنهجية واقتصادية حديثة.
إن البلاد لا تعاني من نقص في العقول، بل من غياب الإرادة السياسية في البحث عن الشخصيات النزيهة والمؤهلة، تلك التي تؤمن بالدور الوطني، وتقدّس فكرة الدولة، وتعمل من أجل بناء وطن لا من أجل بناء ثروات شخصية. فالمواطن لا يطالب بمكاسب خاصة، بقدر ما ينشد دولة تحترم جهده، وتصون كرامته، وتعمل لتحقيق أمنياته المشروعة في العيش الكريم.
لقد وفّر الفساد المتراكم، وغياب المحاسبة، بيئة خصبة للمتسلقين الذين وجدوا في الفوضى والجمود الإداري مظلة مثالية لممارسة عبثهم دون حسيب أو رقيب. ولذلك فإن أي حديث عن إصلاح حقيقي لا يمكن أن يستقيم دون كسر هذه الحلقة، والخروج الجاد من عباءة المحاصصة، والتوجه الصادق نحو بناء حكومة تعمل بخطط واضحة لاستنهاض الدولة من واقعها المنهك.
يبقى السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم:
هل نحن أمام فرصة حقيقية لمغادرة نظام المحاصصة، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية، أم أننا سنشهد فصلًا جديدًا من إعادة إنتاج الفشل بوجوه قديمة؟
الإجابة لا تهم النخب السياسية وحدها، بل تهم مواطنًا أنهكته الأزمات، ولم يعد يملك ترف الانتظار أو تحمل خيبات جديدة.