آخر تحديث :الأربعاء-21 يناير 2026-12:05م
أخبار وتقارير

عشر سنوات ثقيلة.. كيف طوى العدنيون صفحة المجلس الانتقالي واستعادوا الأمل بعودة الدولة

الأربعاء - 21 يناير 2026 - 10:30 ص بتوقيت عدن
عشر سنوات ثقيلة.. كيف طوى العدنيون صفحة المجلس الانتقالي واستعادوا الأمل بعودة الدولة
غرفة الاخبار

على مدى عشر سنوات، عاشت عدن واحدة من أكثر مراحلها قسوة واضطرابًا، مرحلة وُصفت على ألسنة كثير من أبنائها بأنها «حقبة مظلمة» اتسمت بالقمع والمصادرة وغياب الرواتب وتدهور الخدمات، وتحوّل موارد الدولة إلى غنائم تُنهب تحت غطاء شعارات سياسية رفعت اسم القضية الجنوبية، بينما كان الواقع اليومي للمواطن يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. اليوم، ومع التحولات الأخيرة، يقول العدنيون إنهم تخلّصوا من سلطة الأمر الواقع التي مثّلها المجلس الانتقالي الجنوبي، وبدأوا يفتحون صفحة جديدة يملؤها الأمل بعودة الدولة وإنهاء الانقسام.


في شوارع كريتر والمعلا والشيخ عثمان وخورمكسر، تتكرر رواية واحدة بأصوات متعددة: مدينة مُنهكة، وناس أنهكهم الانتظار. يقول مواطن عدني يدعى انور عبده من مديرية المعلا: «كنا نسمع حديثًا عن مشروع وطني وقضية، لكننا لم نرَ سوى سلاح في الشوارع، ورواتب مقطوعة، وكهرباء لا تأتي إلا لساعات قليلة، بينما تُدار المدينة بعقلية الغنيمة». ويضيف: «عدن ليست ساحة حرب، هي مدينة حياة، وما حدث خلالها لم يكن له علاقة بحماية الناس».


لم تكن الأزمة اقتصادية وخدمية فقط، بل امتدت إلى الحريات العامة. يتحدث مواطن عدني من كريتر يدعى علي انور خان عن سنوات الخوف: «كلمة واحدة قد تجرّك إلى مساءلة أو احتجاز، لا قانون واضح ولا مؤسسات، فقط قوة تفرض نفسها. كثيرون صمتوا ليس قناعة، بل خوفًا». هذا المناخ، بحسب مواطنين، صنع قطيعة نفسية بين الناس والسلطة القائمة، وراكم غضبًا ظل مكتومًا لسنوات.


أما ملف الرواتب، فيراه العدنيون عنوانًا صارخًا للفشل. موظف حكومي من الشيخ عثمان يقول: «كنا نعمل بلا راتب أو براتب متأخر، فيما نسمع عن إيرادات وموانئ وجمارك. لم نفهم أين تذهب الأموال، لكننا كنا ندفع الثمن». ويضيف بحسرة: «القضية الجنوبية بالنسبة لنا كانت كرامة وعدالة، لا قطع أرزاق».


الخدمات الأساسية شكّلت بدورها جرحًا مفتوحًا. الكهرباء، المياه، الصحة، والتعليم، كلها تحولت إلى معاناة يومية. تقول مواطنة عدنية من المنصورة مهجت عبدالباقي : «كنا نُجبر على شراء الماء، ونقضي ليالي طويلة بلا كهرباء، بينما المسؤولون يعيشون في عالم آخر. لم نشعر أن هناك دولة، بل سلطات متنازعة». هذا التدهور، وفق شهادات كثيرة، لم يكن نتيجة حرب فقط، بل نتيجة إدارة فاشلة وصراع نفوذ داخل المدينة.


التحول الأخير، الذي أنهى وجود المجلس الانتقالي كسلطة مهيمنة في عدن، مثّل لحظة فارقة لكثير من السكان. يقول مواطن عدني من خورمكسر يدعى محمد الخضر: «لم نحتفل بسقوط طرف، بل تنفسنا الصعداء لأننا شعرنا أن المدينة قد تعود لأهلها». ويضيف: «عدن لا تريد صراعات، تريد دولة ونظامًا وقانونًا».


يؤكد عدنيون أن ما جرى ليس تصفية حسابات سياسية، بل تعبير عن إرادة مجتمع أنهكه الانقسام.


يقول أحد سالم اليافعي : «لسنا ضد أحد، نحن مع الدولة. أي طرف يحكم يجب أن يحكم بالقانون، لا بالسلاح». هذه العبارة تتكرر كثيرًا، وتعكس تحوّل المزاج العام من الشعارات إلى المطالب العملية: راتب منتظم، خدمات مستقرة، أمن حقيقي، ومؤسسات فاعلة.


في الأحاديث الجانبية بالمقاهي والأسواق، يلمس الزائر لعدن اليوم نبرة تفاؤل حذِر.

يقول مواطن عدني مسنّ من التواهي يدعى علي باطويل: «عشنا دولًا وأنظمة، لكن أسوأ ما مرّ علينا هو غياب الدولة. إذا عادت الدولة، سنصبر على أي شيء». هذا الأمل، وإن كان مشوبًا بالحذر، يرتبط بتطلع واسع لإنهاء الانقسام الحاصل في البلد، وفتح مسار وطني جامع يعيد الاعتبار لعدن كعاصمة إدارية واقتصادية، لا كساحة صراع.


العدنيون، كما يقولون، لا يبحثون عن معجزات، بل عن حياة طبيعية. «نريد أن نعيش بسلام، أن نذهب إلى أعمالنا، أن يذهب أولادنا إلى المدارس، وأن نعرف من يحاسب ومن يُحاسَب»، . ويختم باطويل: «عشر سنوات كانت كافية لنعرف أن الشعارات لا تبني وطنًا، وأن الدولة وحدها هي الضامن للجميع».


هكذا يروي أبناء عدن قصتهم مع عقدٍ ثقيل طُوي، ومع مرحلة جديدة يستبشرون بها خيرًا، آملين أن تكون بداية حقيقية لعودة الدولة، وترميم ما كسرته سنوات القمع والانقسام، وأن تكون عدن، كما كانت دائمًا، مدينة لكل اليمنيين، لا رهينة لأي مشروع ضيق أو سلطة أمر واقع.