آخر تحديث :الأربعاء-28 يناير 2026-01:14ص

حَقٌّ تَقريرِ المَصيرِ...القضيّةُ الجنوبيّة والسلامَةُ الإقليميّة

الإثنين - 19 يناير 2026 - الساعة 01:28 م
د. مجيب الرحمن الوصابي

بقلم: د. مجيب الرحمن الوصابي
- ارشيف الكاتب



قضيةُ (الانفصال والوحدة) تعدّ من أعقد القضايا المعاصرة وأهمها، إذ يتصادم حق الشعوب في (تقرير المصير) مع مبدأ (السلامة الإقليمية والدولية) الذي تقدّسهُ المواثيقُ والعهود الدولية. هذا الصدام يولد توتراً قانونياً حاداً؛ فالقانون الدولي الذي منح الشعوب حق تقرير المصير هو نفسه الذي حصّن الدول بمبدأ السلامة الإقليمية.


وَلشرح هذا التناقض، فرّق فقه القانوني الدولي بين نمطينٍ: تقرير ((المصير الخارجي)) الذي يُمنح الاستقلال التّام وعادة ما يقتصر على حالات الاستعمار، وتقرير ((المصير الداخلي)) الذي يضمن الحقوق السياسية والثقافية ضمن إطار الدولة القائمة كالفيدرالية أو الحكم الذاتي. ومع ذلك، برز مفهوم الانفصال العلاجي كخيار استثنائي مشروع عند التعرض لانتهاكات جسيمة واضطهاد، أو تمييز عنصري حاد وعنف، وانسداد تام لأبواب الحوار السياسي.



في الحالةِ اليمنيّة، يواجه الطموح الجنوبي المشروع من مكون معتبرٍ جداراً صلباً من الشرعية الدولية والمواقف الإقليمية المتمسكة بالاستقرار والوحدة؛ فالمجتمع الدولي لا يزال يرى في (اليمن الموحد) الضمانة الوحيدة لمنع الانهيار الشامل، ويميل صراحة نحو حلّ مأمول يتمثل في (الديمقراطية الاتحادية) كأساس لتقرير مصير (داخلي) يجنب المنطقة مخاطر التقسيم مجدداً. هذا الموقف يرتبط عضوياً بتوازنات الأمن القومي في الجزيرة العربية؛ إذ يُنظر إلى وحدة اليمن كصمام أمان لاستقرار الممرات المائية وأمن الجوار، وأي تغيير في هذه الخارطة يُقرأ دولياً كتهديد محتمل قد تشتعل معه صراعات سيادية لا تنتهي.



ويزداد المشهد تعقيدا مع بروز تعددية المشاريع الهوياتية داخل الجنوب نفسه؛ فبينما يطالب (المجلس الانتقالي) وبعض التيارات الجنوبية باستعادة الدولة (1990) وفكّ الارتباط، تتصاعد أصوات تنادي بحقوق سيادية خاصة لإقليم (حضرموت)، مع إرهاصات مماثلة في (المهرة) سلطنات ما قبل (1967) وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية. هذه التشققات داخل الكتلة الجنوبية تمنح المجتمع الدولي مبرراً إضافياً للتمسك بالوحدة، خشية أن يؤدي الانفصال الأول إلى (تشظٍ متسلسل) ويفتح صندوق (الطماطم) ويحيل المنطقة إلى دويلات متصارعة هشة.



إن نجاح أي مسار سياسي (كحوار الرياض) مرهون بالقدرة على إثبات أن تقرير المصير ليس مجرد رغبة عاطفية في الانفصال فقط، بل هو قدرة على بناء كيان مؤسسي ناضج يحقق الأمن القومي الإقليمي. فالقانون الدولي لا يحمي الشعارات، بل يتعامل مع المؤسسات والقدرة على إنتاج الاستقرار.



الخلاصة: إن الانفصال في العصر الحديث لا يمرُّ عبر صناديق الاقتراع المحلية فحسب، بل يتطلب (مباركة دولية) تمر عبر بوابة الأمن الإقليمي. وبين مطرقة الانفصال العلاجي وسندان السلامة الإقليمية، يبقى الحل في صياغة عقد اجتماعي يوازن بين الهوية والاستقرار، ويجعل من الحقوق السياسية جسراً نحو المستقبل بدلاً من الاصطدام بجدار العزلة الدولية.


مجيب الرحمن الوصابي