آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-12:26ص

حين يتكلم الحجر… وتبتسم الذاكرة: صباحٌ إماراتي في متحف العين الوطني

الخميس - 08 يناير 2026 - الساعة 11:25 ص
غسان جابر

بقلم: غسان جابر
- ارشيف الكاتب


في صباح الأربعاء 7/01/2026، لم أكن ذاهبًا إلى متحف بالمعنى التقليدي للكلمة. لم أحمل معي عقل الزائر الذي يكتفي بالمشاهدة، بل قلب إنسانٍ يبحث عن حكاية. وما إن اقتربت من بوابة متحف العين الوطني، حتى أدركت أنني على موعد مع تجربة مختلفة؛ تجربة تبدأ قبل القطع الأثرية، وقبل الشروحات، وقبل التاريخ نفسه.


عند المدخل، كان الاستقبال. فتيات إماراتيات شابات يعملن في المتحف، في غاية الرقي البساطة، القهوة العربية تقدم بوصفها رمزًا للحفاوة، والتمر الفاخر كأنه قادم من نخلة تعرف اسمك. ليست ضيافة شكلية، بل حفاوة ذكية محسوبة، تشعرك أنك ضيف مرحَّب به لا زائرًا عابرًا. القهوة هنا ليست مشروبًا، بل مفتاح حوار، والتمر ليس مجرّد كرم، بل امتداد لذاكرة اجتماعية تعرف كيف تتجدّد بابتسامة حديثة.


تلك الابتسامة لا يمكن تجاوزها. ابتسامة معرفة وثقة وهدوء. حديث سلس، ثقافة واضحة، وقدرة على الإصغاء قبل الشرح. شعرت أن المتحف اختار طاقمه بعناية، لأن الانطباع الأول هنا جزء من الرواية، لا تفصيلًا على الهامش.


متحف الوعي الوطني…


حين تُبنى الدولة من ذاكرتها

متحف العين الوطني، أقدم متحف في دولة الإمارات العربية المتحدة، لم يكن مجرد مشروع ثقافي سبق زمانه حين أُسِّس عام 1969، بل كان تعبيرًا مبكرًا عن عقل دولة تتشكّل بهدوء وثقة. المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لم يكن يرى الدولة كإعلان سياسي أو كيان إداري فحسب، بل كمشروع إنساني يبدأ من الإنسان، ويتكئ على الذاكرة، ويصالح الحاضر مع الماضي. لذلك جاء المتحف خطوة واعية لترسيخ الهوية الوطنية، وتأكيد أن هذه الأرض ليست صفحة بيضاء، بل سجلّ حضاري عميق يستحق أن يُروى ويُصان.


وحين افتُتح المتحف رسميًا عام 1971، متزامنًا مع ميلاد الاتحاد، بدا الأمر وكأنه يقول بصمت واثق: هذه دولة تعرف من أين جاءت، وإلى أين تريد أن تذهب. اختيار الموقع، إلى جوار الحصن الشرقي وعلى طرف واحة العين، لم يكن تفصيلًا جماليًا فحسب، بل رسالة ثقافية وسيادية واضحة؛ هنا تتجاور السلطة مع الحياة، ويحرس الحجر الذاكرة، ويواصل النخيل فعل الاستمرار. ومع الترميم والتوسعة الأخيرة، عاد المتحف بروح شابة لا تنكر وقارها، مستخدمًا أدوات العصر ليُحدّث الرواية دون أن يمسّ جوهرها، فبات المكان يحاورك، لا يلقّنك.


من الحجر الأول… إلى فكرة الوطن


وأنت تتنقّل بين القاعات، تشعر أن الزمن يمشي معك خطوة خطوة. أدوات حجرية تعود إلى آلاف السنين، فخار جاء من بلاد الرافدين، قبور من هيلي وأم النار، وبرونزيات تحكي عن تجارة بحرية عرفت طريقها قبل أن تُرسَم الخرائط. هنا تفهم أن هذه الأرض لم تكن معزولة، بل كانت عقدة وصل، ومكان عبور، وحاضنة.


تفاعل إنساني وحضاري.


المعروضات لا تصرخ لتلفت انتباهك، بل تنتظر منك أن تقترب. كل قطعة تطرح سؤالًا صامتًا: من كان هنا؟ كيف عاش؟ ماذا كان يخاف؟ وماذا كان يحلم؟ تشعر فجأة أن التاريخ ليس سردًا منتهيًا، بل حوارًا مفتوحًا.


المرأة الإماراتية… ذاكرة تمشي على قدمين


في قسم الإثنوغرافيا، تتقدّم المرأة الإماراتية إلى المشهد دون ادّعاء. لباسها التقليدي ليس قطعة قماش، بل نص اجتماعي كامل. الثوب المطرّز بالتلي والزري يحكي عن أمهات كنّ يطرزن الصبر قبل الخيوط، وعن أيادٍ تعرف أن الجمال مسؤولية لا ترفًا.


الحُلي الفضية والذهبية ليست للزينة فقط، بل للحماية والفرح والهوية. أما طقوس الزواج، فهي حكاية مجتمع كامل يحتفي بابنته، ويشاركها الانتقال من مرحلة إلى أخرى بالغناء والدعاء والفرح الجماعي. لا شيء فرديًا هنا؛ حتى الفرح له شهود.

واللافت أن هذا الحضور الأنثوي لا يقتصر على المعروضات، بل يمتد إلى الواقع الحي داخل المتحف نفسه؛

فالفتيات الإماراتيات العاملات في متحف العين الوطني لسن مجرّد مرشدات، بل حاملات معرفة، يقدّمن الشرح بثقة وهدوء، ويمثّلن امتدادًا طبيعيًا لذاكرة المكان وهوية الدولة.


الأفلاج… حين تُدار الحياة بالعدل


تقف طويلًا أمام شرح نظام الأفلاج. ماء يسير تحت الأرض بهدوء وحكمة ليصل إلى الجميع. نظام قديم، لكنه أكثر حداثة من كثير من حلول اليوم. الأفلاج ليست هندسة فقط، بل أخلاق: عدالة في التوزيع، احترام للندرة، وإيمان بأن الحياة لا تُدار بالصراع بل بالتنظيم. هنا تفهم كيف عاش الناس قبل النفط والكهرباء، وكيف بنوا حضارة لا تقوم على الوفرة، بل على الحكمة.


حارة الحصن… حين يكون التاريخ جارًا


الخروج من قاعات المتحف إلى محيطه يشبه الخروج من كتاب إلى رواية حيّة. حارة الحصن، بجدرانها ومساحاتها وذاكرتها، تُكمّل المشهد. الحجر هنا ليس أثرًا معزولًا، بل جارًا قديمًا يعرف الحكايات كلها. المكان يقول لك بوضوح: التاريخ لا يعيش إذا حُبس، بل إذا عاش بين الناس.

لماذا يجب أن تزور متحف العين الوطني؟

لأنك ستخرج منه مختلفًا؛ أكثر هدوءًا، أكثر فهمًا، وأكثر احترامًا لفكرة الوطن. هذا المتحف ليس محطة سياحية، بل مرجع ثقافي وإنساني، ودرس عملي في كيف تُبنى الدول: بالذاكرة، بالإنسان، وبالانتباه للتفاصيل الصغيرة… فالقهوة، والتمر، والابتسامة الصادقة، قد تكون أحيانًا أهم من ألف خطاب.


متحف العين الوطني ليس مكانًا تزوره، بل تجربة تعيشها. ومن لم يذهب إليه بعد، فاته لقاء جميل مع ذاكرة تعرف جيدًا كيف تبتسم.


م. غسان جابر – العين

7/01/2026