آخر تحديث :الجمعة-06 فبراير 2026-02:25ص

ومن غرّاك لا تغتر ومن طمّعك لا تطمع

الأربعاء - 31 ديسمبر 2025 - الساعة 07:20 م
محمد أحمد بالفخر

بقلم: محمد أحمد بالفخر
- ارشيف الكاتب


(إنّ من الشعر لحكمة وإنّ من البيان لسحرا)

هذا ما قاله الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، ونحن نعرف أهمية الشعر في حياة المجتمعات العربية سواء في العصر الجاهلي أو في صدر الإسلام وحتى القرون المتأخرة وإن كان قد تضاءلت أهميته في العصر الحديث عما كان في الماضي حيث كان الشعراء بمثابة وزارة اعلام كاملة ويقوموا مقام القنوات الفضائية والصحف في هذه الأيام،

وكان الشاعر لسان قومه أو قبيلته ومصدر إلهامٍ لمساراتهم المتعددة،

وأمّا في حضرموت فقد قيل الكثير عن الاساطير الحضرمية أن بعض الشعراء غالباً ما تكون لهم (حليلة) من الجن فهي من تتحدث بلسانه ذلك السرد الشعري الفوري الجميل سواء لسرد قصص من الماضي أو التنبؤ بأحداث قد تحصل في المستقبل أو التغزل بمن يهوى،

وبغض النظر عن صحة هذه الاساطير من عدمها لكن في حقيقة الأمر أن بعض الشعراء هو فلتة زمانه لما لديه من القدرات الثقافية والعلمية إضافة إلى الموهبة التي وهبها الله له لتنساب من بين ثناياه أعذب الكلمات وأقواها لتصل إلى عقول وقلوب المتلقّي،

وقد كان لبعض الشعراء الحضارم هذه الميزة وخاصة فيما يتعلق بالأحداث السياسية على وجه الخصوص وقد قيل عن الشاعر الغنائي حسين المحضار رحمه الله الشيء الكثير من حيث التنبؤات بما سيحدث ومنها على سبيل المثال قصيدته التي قال فيها:

يا حصن مولى البناقل محلى ركونك

خيفان بعد الزوامل ينعق عليك الغراب

لي خرّبوا دار بصعر با يخربونك

خذ عشر خذ خمست عشر لا بد لك من خراب

وهذه رسالة لكل من تبوأ سلطة ولم يتقنها أو من تمادى في الظلم فلا بد له من نهاية،

وقد قال لي ذات يوم الأخ الرفيق حيدر العطاس أنه عندما تعضل أمامنا مشكلة ننتظر بماذا ستجود به قريحة الشاعر حسين المحضار لنسترشد منها الحل لهذه المعضلة،

وهنا وأنا اتابع أحداث حضرموت تذكّرت الأبيات الشعبية الخالدة للشاعر الحضرمي سعيد باحريز رحمه الله الذي كان ملهماً بأشعاره في مجالس السمر والمناسبات العامة والذي امتنع عن قول الشعر بعد سقوط حضرموت بأيادي رفاق الجبهة القومية ودخلت البلاد مرحلة صعبة حيث كُممت فيها الأفواه وضُيقت الحريات، وكان باحريز محباً للسلطان القعيطي الذي سقطت سلطنته،

فدُعي باحريز لحضور أمسية شعرية في احدى الزواجات بحضور الرفيق فيصل العطاس النعيري محافظ حضرموت في ذلك الوقت وكان اخوه طارق شاعراً فلمح الشاعر باحريز يجلس في طرف المجلس فسعى طارق النعيري لاستفزازه فوجّه إليه بيتاً من الشعر قائلاً:

ودلوك لي سقط في البير سقط ولعاد با يطلع

ونحن زهرة الدنيا أولها وتاليها

ولا أدري ما المقصود ب (زهرة الدنيا) أهي الأممية الاشتراكية أم السلالة الهاشمية التي ينتسب اليها الرفيق العطاس؟

وأنتظر النعيري الرد من باحريز،

فصاح من في المجلس طالبين من المحافظ الأمان لباحريز ليرد فأعطاهم الأمان،

فرد باحريز رداً فورياً بأبيات بقيت خالدة لأكثر من خمسين عاماً ترددها الأجيال وستبقى إلى ما شاء الله،

وذاك الدّلو لي قلته سقط ما عذر با يطلع

ولا طلع با تشل وحده ووحده با تخلّيها

ومن غرّاك لا تغتر ومن طمّعك لا تطمع

ولا شفت السماء سوداء تعوّذ من مناشيها

هنا ينبهه باحريز بأن يحذر ممن يغرّيه أي يوسوس له سواء ظاهراً أو مخفياً، وتنتشي بنشوة النصر الزائلة فانتبه من الغرور المدمّر ولأن الدلو الذي سقط سيطلع وليس بالضرورة السلطان فماذا ستفعل حينها؟

ستفرُّ هارباً وقد تلبس فردة واحدة من حذائك وتترك الأخرى نتيجة الهلع والخوف مشهد تصويري بليغ لما سيكون وقد رأيناه رأي العين بعد أن تفرّق الجمعُ، فمنهم من عبر الصحراء والجبال ومنهم من عبر البحار حسب المسارات التي حددها الزعيم،

والأيام دُوَلْ،

وأيضاً ضمن القصيدة أبيات أخرى ذات معانٍ عميقة

أنا ما بخرج الزامل بلا سكين أتبرع

وكل رقبه طويلة رأس لها آفة توطّيها

صبُر با يجي لها فارع من الشارع وبا يفرع

وكل من سرّح النِشره بيدّه با يضوّيها


وللأيام سكرتها تبت وتقول لك برجع

كما لي يخرج الكلمة ويرجع ما يوفّيها

وفعلاً جاء الفارع وفرَع، ونلتقي على خير.