في كل مكان و منذ سالف الأعصار و غابر الأزمان عن
د شيوع الفتن و انتشار العداوات و الإحن يُرفع صوت الجهلاء و تُنشر مقالة الدخلاء و يُشهر سيف البُلَهاء و يقمع صوت العقلاء و يُكسر قلم الفضلاء و يُشَهَّر بالعلماء فيعم الشر و العماء و تشتد المحنة و البلاء و تكون فتنة عمياء تخبط خبط عشواء:
ي الفتن الكل يريد سوطك و لا يسمع صوتك، بل يريدونك بوقاإني أعيذكمُ بالله من فتنٍ***مثل الجبال تسامى ثم تندفعُ
إن البريّة قد ملّت سياستكم***فاستمسكوا بعمود الدين و ارتدعوا
لا تلحمنّ ذئاب الناس أنفسكم***إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعوا
لا تبقرنّ بأيدكم بطونكمُ***فثمّ لا حسرة تغني و لا جزعُ
*
ف ناعقا و صوتا ناهقا بالباطل ناطقا مداهنا منافقا و عما قريب يجعلونك نافِقَا.
و كم رأينا و سمعنا أناسا يعدّهم أتباعهم-جهلا و تعصبا و حمقا و تحزبا-من أهل الدين و العلم قد زلت أقدامهم و ضلت أفهامهم حيث لا تزل الأقدام و لا تضل الأفهام حتى عند العوام، فصاروا أبواقا ناعقة لإحياء الضلالات و الفتن و أصواتا ناهقة لنبش الأحقاد و الإحن و تصدروا في الفتنة فصاروا في الشر رؤوسا و ذاق الناس منهم الموت و الظلم كؤوسا و ما علموا أن القوم قد اتخذوهم للتضحية تيوسا و رجوعهم إلى الرشد كاد أن يكون منه ميؤوسا:
جز العقلاء فيها عن دفع السفهاء فصار الأكابر-رضي اللأأنتَ يا عبدَ كل غالبٍ***في الفتنة الصّمّا رَكَضْتَ
و قُمْتَ في الناس على منبرٍ***حَضَضْتَ في الحرب و حَرّضْتَ
قد قُلْتُ لمّا سُسْتَ أجنادَهُم***ضاعتْ أمورُ الجُنْدِ إِذْ سُسْتَ
*و لقد علم العلماء و العقلاء و الفضلاء أن الفتنة عمياء صماء عرجاء هوجاء، فإذا أُطلقت من عقالها تغدت بعقلائها و تعشت بجهلائها فلا يسلم منها صغير و لا كبير و لا مأمور و لا أمير و ضاع حينها كل تدبير و صار الناس لا يعرفون قبيلا من دبير، و رحم الله الإمام الهمام ابن تيمية إذ يقول في منهاج السنة: (و الفتتة إذا وقعت
عه عنهم-عاجزين عن إطفاء الفتنة و كفِّ أهلها. و هذا شأن الفتن كما قال تعالى: و اتقوا فتنة لا تصيبنَّ الذين ظلموا منكم خاصَّة. و إذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوّث بها إلا من عصمه الله).
**قفلة**
روى ابن سعد في (الطبقات) و البخاري في (التاريخ الكبير) و أبو نعيم في (حلية الأولياء) عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: (الفتنة إذا أقبلت عرفها كلُّ عالمٍ و إذا أدبرت عرفها كلُّ جاهلٍ).
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها و ما بطن، اللهم لا تفتنا في ديننا و اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، اللهم من أراد بديننا و بنا شرا فإنا نجعلك في نحورهم و نعوذ بك من شرورهم فاكفناهم بما شئت و كيف شئت و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه: أبو الحسن جلال بن ناصر المارمي.