آخر تحديث :الأربعاء-27 مايو 2026-10:24م

اللغة العربية بين الاعتراف الأممي والتحديات التربوية والثقافية

الخميس - 18 ديسمبر 2025 - الساعة 06:19 م
د. حافظ القطيبي

في الثامن عشر من ديسمبر 1973، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية في المنظمة الدولية، ليغدو هذا التاريخ مناسبةً للاحتفاء بلغةٍ تمتد جذورها في التاريخ الإنساني لأكثر من ثمانية عشر قرنًا، وإبراز إسهامها المعرفي والفكري والعلمي ودور أعلامها في شتى صنوف المعرفة عبر العصور. غير أنّ هذا الاعتراف الأممي، الذي بدأ الاحتفال العالمي به رسميًا منذ عام 2012، يضعنا اليوم أمام مفارقة لافتة؛ إذ تقف اللغة العربية بين مكانتها الدولية المرموقة، وما تواجهه في واقعها التربوي والثقافي من تحديات تمس حضورها في المدرسة والأسرة والإعلام، وتطرح سؤالًا جوهريًا حول مسؤوليتنا الجماعية في استعادة دورها الحيوي في بناء الإنسان والمجتمع.


تتميّز اللغة العربية بثروة لغوية وجمالية تعبيرية جعلتها إحدى أكثر لغات العالم قدرةً على احتضان الفكر والمعرفة، إذ ينطق بها اليوم نحو أربعمائة مليون إنسان، وتشكل ركنًا أساسيًا من أركان الهوية العربية والإسلامية، وارتبطت بالدين بوصفها لغة القرآن الكريم. غير أنّ هذه المكانة الرمزية والتاريخية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان حيوية اللغة واستمرار فاعليتها، ما لم تُترجم إلى حضور حيّ في الممارسة التعليمية والثقافية واليومية.

ونظرًا لما شهده العالم من تطورات في مجال الاتصال والمعلومات، وما رافق ذلك من تطور في المجال الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فإن اللغة العربية تواجه تحديات في مواكبة هذا التقدم الهائل، فضلًا عن تعرضها للتهميش، والإعلاء من شأن اللغة الأجنبية في المؤسسات، لذلك فإن المراهنة على استعادة دورها الفاعل في إنتاج المعرفة والفكر والإسهام الحضاري في الرقي والتقدم، إحدى الضمانات لتطورها، وهذا الدور لا يقع على المتخصصين في اللغة العربية فحسب، بل يقع على كل الناطقين بها.


الأسرة


لا شك في أن اكتساب اللغة يبدأ من محيط الأسرة، ويقع على الأسرة واجب تشجيع الطفل على اكتساب ثروة لغوية، وفي المراحل المتقدمة يقع على الأسرة دور كبير في تنمية حبّ القراءة والمطالعة في نفوس أفرادها، فلا نتطلع إلى ارتقاء المطالعة والقراءة عند الأطفال والشباب إذا كانت الأسرة لا تسعى في تنشئتهم على حب القراءة والمطالعة، بل تنبذ الكتاب ولا يكون من سلم اهتماماتها.


المدرسة


إن تعليم اللغة العربية في المدرسة بحاجة إلى إعادة نظر، إذ يُنظر إلى اللغة على أنها مجرد قوالب وقواعد جامدة يستظهرها الطالب بقصد الاختبار والحصول على الشهادة، فيُزرع في التلميذ الذي يصبح مواطنًا غدًا، أن اللغة مجرد مادة ينتهي أداؤها بانتهاء الاختبار؛ لذلك يرى المهتمون بتعليم اللغة العربية اعتماد التعليم التواصلي من خلال "تنمية كفايات المبادرة لدى المتعلم حتى يتدرب على الإحساس بأن تعلمه للغة الأم هو في جوهره بناء للذات المفكرة وللقدرات التعبيرية والتخييلية والإبداعية، وللعقل القادر على إنتاج المعرفة بواسطة اللغة. إن تنمية الأعمال المدرسية الحرة، كالمسابقات والمناظرات، وسائر أشكال النشاط القائم على المبادرة، هي مسلك من المسالك المهمة في إعادة صياغة علاقة المتعلم باللغة العربية" (صالح بن رمضان، اللغة العربية: أي مستقبل؟).


ونظرًا لضعف التكوين الثقافي والعلمي لمعظم معلمي اللغة العربية، فإنهم بحاجة لبرامج تأهيل جادّة علميًّا وثقافيًّا، والاهتمام بالوضع المعيشي للمعلم ككل، وينبغي أن يكون جميع معلمي المواد ملمين بأساسيات اللغة العربية؛ لأنّ المنهج يقوم على التكامل، وأنّ اللغة العربية أداة المعرفة والتعلم في كل المواد، كما يتوجب على كليات إعداد المعلمين إعادة النظر في برامجها بما يواكب الواقع وتطور مفهوم المعرفة.


وسائل التواصل


إنّ تطور وسائل التواصل أدّى إلى تطور الخطابات التواصلية، وعلى ما للشبكات من إيجابية في حصول التقارب بين ناطقي اللغة العربية بما يفتح آفاقًا لتطورها، فإنّ لها أيضًا جانبًا سلبيًّا، يتمثل في استعمال اللهجة الدارجة، حتى تكون الكلمة غير مفهومة عند مواطن من قطر آخر، أو مواطن البلد نفسه من منطقة أخرى، والأمر الآخر هو فساد التعبير في شبكات التواصل، وهو ناتج عن كثرة الأخطاء اللغوية والإملائية، وأحيانًا أخرى في شيوع المحتويات التافهة المنفرة، وقد أدّى ضعف الثروة اللغوية عند بعض الأشخاص إلى اللجوء إلى الشتائم والابتعاد عن أخلاقيات الحوار، فتحولت اللغة إلى أداة للصراع والتنافر.


المفارقة في القيم


تطمح مجتمعاتنا العربية إلى تحقيق المواطنة وإرساء قيم الديمقراطية والعيش المشترك، لكن –للأسف– ثمة مفارقة واضحة بين الخطاب والواقع؛ فهناك دعوات إلى التعايش والمساواة والقبول بالآخر والقيم النبيلة، في مقابل واقع تتفشى فيه الكراهية والعنف والغش والفساد. ومن الأمثلة الدالة على هذه المفارقة، أن يقرأ التلميذ في أحد دروس الكتاب المدرسي: "إن المعلمة تتصف بالأمانة والصدق والأخلاق الحميدة"، فيُظن أن حفظ التلميذ للنص هو غاية التعليم، بينما الأهم أن يرى التلميذ هذه القيم مجسدة في سلوك معلمه أو معلمته، بوصفهما قدوة عملية داخل المدرسة. فإذا لمس التلميذ هذه الصفات واقعًا حيًّا، تحققت القيمة التربوية للدرس، أمّا إذا غابت عنه في الممارسة اليومية، فإن الدرس يقول له غير ما يعيشه، فتبني اللغة في وعيه عالمًا لا يطابق الواقع، وتغرس فيه شعورًا بالمفارقة بين القول والفعل، وهو ما يرسّخ عدم المصداقية وأزمة الانتماء اللغوي والثقافي القيمي، وقس على ذلك كثيرًا من الخطابات والنصوص.


لا تتحقق قيم المواطنة إلا بامتلاك المواطن لأداة اللغة وأساليب التعبير وآليات الإقناع، والتأدب في الحوار؛ ذلك أن فهم المقاصد لا يتم إلا عبر اللغة "فهي الأداة التي ندرك بواسطتها العالم، والجسر الذي يسمح بتحقق لحظة التفاهم الإنساني داخل النسيج المجتمعي، ولهذا فإن طبيعة الأدوار المنوطة بالمواطن، تحتم عليه تملك الأداة المسخرة للتفاهم عبر النسقين المكتوب والشفهي، ومعرفة استعمالها في وضعيات تواصلية مختلفة" (توبي لحسن، الحجاج والمواطنة).


إنّ إدراك المواطن لأهمية لغته يأتي في أولوية خطوات تطورها، ويقع على المؤسسات التعليمية الواجب الأكبر في تعزيز مكانة اللغة العربية، وتطوير مناهجها وطرق تدريسها، وإغناء محتواها، وتأهيل كادرها، أما المؤسسات الثقافية والإعلامية، فعليها واجب كبير في صناعة البرامج الثقافية التي تعزز اللغة العربية، وإنتاج المحتوى الرقمي والورقي الهادف، وتشجيع الإبداع والإنتاج الفكري الرصين.


•••

د. حافظ قاسم القطيبي

باحث وأكاديمي