آخر تحديث :الجمعة-20 مارس 2026-05:07ص

الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الشاعر الكبير يسلم علي باسعيد

الإثنين - 17 نوفمبر 2025 - الساعة 08:55 ص
علي بن فهيد النهدي

بقلم: علي بن فهيد النهدي
- ارشيف الكاتب


يسلم بن علي باسعيد… شاعر عمقين وشبوة واليمن والخليج؛ الرجل الذي جعل من المجلس قصيدة، ومن الضحكة شعرًا.


في ذاكرة عمقين، لا يُذكر الشعر إلا ويُذكر الشاعر يسلم بن علي باسعيد، الرجل الذي عاش محبوبًا، ورحل مخلّدًا في القلوب والذاكرة. وقد عبّر عن حبه لمسقط رأسه "عمقين" بالبيت الشعري الشهير:

«لو خيروني بالمدن بقصر عالي

باختار خيمة في عمقين يا عدن

ما با حلالِك جنة الدنيا عمقين»

هكذا وصف قريته وريعان شبابه، معبّرًا عن تعلقه العميق بأغلى ما أحبّ في حياته.


كان شاعرًا بالفطرة، بسيطًا في هيئته، عظيمًا في أثره، يحمل روح الدعابة في قلبه، وقصيدة صافية على لسانه تنبض بالحكمة والفرح.


ورث الشاعر يسلم علي موهبة الشعر من والده الشاعر علي باسعيد، ومن جده يسلم بن علي، الذي عاصر كبار الشعراء مثل السيد وباسرده وعلي الدنينيش.


فامتد إليه ذلك الإرث الشعري النادر الذي جمع بين البلاغة والفكاهة والصدق الشعبي الجميل.

كانت مجالسه أشبه بمهرجان يومي لا يُملّ؛ تمتزج فيها النكتة بالشعر، والذكريات بالأنس.


كان يجمع كبار السن ليستمعوا إلى قصص الماضي وأبياته الحكيمة، بينما يجد الشباب في مجلسه مساحة للضحك والمقالب التي ما زالوا يروونها بابتسامة حتى اليوم.


ولم يعرف الوحدة يومًا؛ فبيته دائمًا مفتوح، وصوته يملأ المكان بالفرح والحكايات. وإن غاب عن مجلسه، فهو إمّا بين أهله أو بين أصحابه يغيّر الأجواء ويزرع البهجة.


حتى في غربته الطويلة التي امتدت لأكثر من ستين عامًا، ظلّ العم يسلم محبوبًا في كل مكان.

في الرياض، وتحديدًا في شارع "الدكتور"، كانت عزبته عامرة بالأصدقاء، خصوصًا في ليالي الجمعة التي لا تكتمل دون حديثه المليء بالنكتة والذكريات.


أما في جدة، فكان مجلسه في "الصحيفة" ملتقى الأحباب ومنبرًا للشعر والأنس، حيث لا يغيب صوته ولا تُطفأ قناديله إلا مع بزوغ الفجر.


وقد غنّى له كثير من الفنانين السعوديين مثل طلال مداح، وبالفقيه، وعبدالرب إدريس، والرويشد، والقصير، وهود العيدروس، وعلي العطاس، إضافة إلى عدد من فناني اليمن.


عُرف الشاعر يسلم بن علي بعزّة النفس والكرم، وبقي قريبًا من الناس رغم علاقاته الواسعة مع الأسر الكبيرة مثل آل بقشان، وآل العمودي، وآل المحفوظ، وكذلك مع بعض أمراء الأسرة الحاكمة في السعودية، إضافة إلى رموز الإعلام السعودي، ومن أبرزهم الإعلامي أحمد العرفج والإعلامي ماجد المـزجاجي، وغيرهم ممن تضيق الذاكرة عن ذكرهم، فضلًا عن عضويته في جمعية الفنون السعودية.


عاد إلى الوطن بعد رحلة اغتراب طويلة، لكنه واجه المرض بشجاعة. ورغم غياب الدعم الرسمي، واصل علاجه في المكلا حتى وافته المنية هناك، ودُفن في مسقط رأسه عمقين في 12/11/2012، في القرية التي أحبّها وخلّدها في شعره.


لم تقدّم الدولة له تكريمًا يليق بمكانته الشعرية سوى إطلاق اسمه على المركز الثقافي في مدينة عتق تخليدًا لذكراه، حيث تُقام فيه مختلف المناسبات الثقافية والوطنية.


والشكر موصول للدكتور عبدالعزيز صالح بن حبتور لجهوده في إصدار ديوانه «دموع المهاجر» الذي تبنّت نشره جامعة عدن أثناء رئاسته لها.


ترك الشاعر يسلم ولدين كريمين هما: فضل –رحمه الله– وعبدالمنعم أطال الله عمره، وهما امتداد لطيبة أبيهما وأخلاقه العالية، يحملان البشاشة والطرفة والكرم الذي تربّيا عليه.


رحم الله الشاعر يسلم بن علي باسعيد وأسكنه فسيح جناته؛ فقد كان أكثر من مجرد شاعر… كان ذاكرة قرية، وصوت جيلٍ كامل.


رحل الجسد، لكن بقيت ابتسامته وشعره ومجلسه شاهدًا على زمنٍ كانت فيه الكلمة صافية، والمجلس يجمع ولا يفرّق.


شاعر وثّق الحياة والذاكرة الشعبية

لم يكن شعر يسلم علي مجرد أبيات عابرة، بل كان سجلًا حيًّا لتاريخ القرية ومواسمها وأهلها.


ومن خلال كلماته البسيطة والعميقة، دوّن أفراح الناس وأحزانهم، وصوّر الحياة اليومية بصدق وعفوية.


لقد كان صوته امتدادًا لذاكرة الأرض؛ فحيثما يُذكر اسمه تُذكر عمقين، وحيثما يُروى شعره يعود الناس إلى زمن جميل لا يُنسى.


رحلت يا أبا فضل… وبقيت قصيدتك تنبض بين القلوب، كأنك ما زلت تجلس بيننا، تروي، وتضحك، وتغني للحياة.