شهد مساء أمس خروج وقفتين نسويتين متزامنتين في كل من عدن وتعز، جسّدتا صورة جديدة من صور الحراك الشعبي المطالب بالحقوق الأساسية وفي طليعتها صرف المرتبات وتحسين مستوى المعيشة والخدمات والحياة الكريمة. ورغم وحدة المطالب، فإن طريقة تعاطي السلطات المحلية في كلا المدينتين كشفت عن تباين لافت في مساحة الحريات وطبيعة التعامل الأمني مع الفعل الاحتجاجي.
في تعز، سُمح للوقفة بأن تمضي في هدوء، بل ووجدت التغطية الإعلامية طريقها إلى الفعالية منذ لحظاتها الأولى، حيث وثّقت الكاميرات الشعارات المرفوعة، التي حملت اتهامات صريحة للمجلس الرئاسي والحكومة الشرعية بالتسبب في الأزمة المعيشية التي تعصف بالمواطنين.
أما في عدن، فكان المشهد مختلفاً تماماً. فعلى الرغم من أن الوقفة اكتفت بالمطالبة بالحياة الكريمة وتحسين الخدمات وصرف المرتبات، دون توجيه أصابع الاتهام لأي طرف سياسي بعينه، قُوبلت بالقمع واستخدام الهراوات ومنع التصوير ومصادرة الهواتف، في مشهد يعبّر عن حالة من الضيق المتزايد داخل المؤسسات الأمنية في العاصمة عدن تجاه أي فعل احتجاجي، حتى وإن كان سلمياً ومحايداً.
هذا التباين يكشف عن خلل عميق في تعاطي السلطات الأمنية في عدن مع الحق الدستوري في التعبير السلمي. فمن غير المنطقي أن تُواجه احتجاجات محقة بالعنف لمجرد أنها خرجت في مدينة بعينها، في حين تُترك مثيلاتها في مدن أخرى لتعبّر بحرية، بل وتذهب إلى أبعد من ذلك في توجيه الاتهامات السياسية دون أن تتعرض لقمع أو مضايقة.
المفارقة أن الوقفة في تعز كانت أكثر جرأة سياسياً، في حين أن وقفة عدن اكتفت بالحد الأدنى من المطالب الشعبية. ومع ذلك، جاء الرد الأمني معاكساً لمنطق التصعيد، وهو ما يعيد فتح باب الأسئلة حول منسوب الحريات في عدن، والدوافع الحقيقية خلف هذا القمع المتكرر لأي فعل احتجاجي سلمي، خاصة حين يصدر من أطراف مدنية مثل النساء.
إن واجب السلطات – أياً كانت – أن تصون حق المواطنين في التعبير السلمي، لا أن تقمعه. وما حدث يعيد التذكير بأهمية مراجعة سياسات التعامل الأمني مع الشارع، والتمييز بين الأمن المشروع، وبين البطش الذي يخلق مزيداً من الغضب والاحتقان.