في السابع من أكتوبر حطّمت السواعد الفلسطينية أسطورة الجيش الذي لا يُقهر وفي غضون ساعات قليلة وأعداد محدودة من الفدائيين أوقعت عشرات القتلى والأسرى في صفوف الجيش المُنهزم.
لم تكن تلك اللحظة سوى نتيجة طبيعية لسنوات عديدة من القهر والإذلال الذي تعرض له الفلسطينيون في غزة وتحت حصار جائر ظالم .. لقد انتصروا لكرامتهم، فالموت بشرف أندى وأجمل من حياة الذل والهوان، وصنعوا يوما جديدا على جبين التاريخ سيسطره بأحرف من نور.
يوم السابع من أكتوبر سيغيّر خرائط وسياسة المنطقة برمتها وليست غزة فحسب.
يوم السابع من أكتوبر قرار جريء ووفاء للإرادة الشعبية في فلسطين التي أبت الإستسلام والرضوخ لآلة الحرب والدمار الصهيوني وكأنّها تتمثل قول عنترة ..
لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ ** بل فاسقني بالعزِ كأس الحنظلِ لم يتوقف المقاتل الفلسطيني عند دعوات التثبيط والتخوين وهبّ من تحت الركام والأنقاض يمضي بثبات نحو هدفه المنشود نصرُ أو استشهاد.
وعلى النقيض تماما، ظهرت أصوات تتطالب الفدائيين بالإستسلام وحقن الدماء .. كلمة حق يراد بها باطل، ودعوة للإستسلام لا السلام، فالسلام يصنعه الأبطال لا تحت نار المدافع وأزيز الطائرات، لكنّ من لا يدرك عظمة الحرية والكرامة لن يدرك عظيم التضحيات التي تستحق مثلما أدركها أبي فراس الحمداني حين قال: تهون علينا في المعالي نفوسنا ** ومن يخطب الحسناء لم يغله المهرُ
انتفض المارد الفلسطيني وصنع المجد بأغلى التضحيات، وهكذا الشعوب التي تهاب المنايا تُسحق ولا تستحق الحياة ..
حقا أنّ من يهن يسهل الهوان عليه .. لقد ارتضينا لأنفسنا الخنوع ومنذُ ثمان سنين ونحن تحت حصار مطبق، وسياسة تجويع وتركيع ممنهجة، فقدت خلالها العملة المحلية قيمتها الفعلية، وانهارت الخدمات الأساسية، واستشرى الفساد بصورة بشعة ليس لها مثيل، وأضعنا فرصا كانت بأيدينا.
لم ننسَ يوم تحرير عدن وبأيدينا أعدنا النظام البائد ورومزه .. ويوم المعاشيق قتل إرادتنا التردد .. واليوم قاربنا الوصول إلى قاع الهاوية ولازلنا نرتقب الأمل من جلّادينا ..
ولا ترجُ السماحة من بخيل ** فما في النار للظمآن ماء فمتى ترى نصنع يوما كيوم السابع من أكتوبر، ونكسر سياج الظلم والفساد ونقتلع اللصوص والمفسدين ؟؟ .. متى نخوض غمار المواجهة ونميز الخبيث من الطيب والصادق من الكاذب ؟؟ .. متى نقتل الخوف في داخلنا والنفاق من حولنا ؟؟
حينما نغيّر الأدوات التي نستخدمها .. حينما نصحو من الصدمة ونواجه الحقيقة التي نرفضها .. سيتغير حالنا وننتصر لإرادتنا، وإن غدا لناظره قريب.