قبل حرب صيف 94م كان الجنوب يمتلك جيشا نظاميا من أقوى جيوش المنطقة، وكان يمتلك جهاز مخابراتي هو الأكثر فاعلية يرصد كل صغيرة وكبيرة (حتى للجدار آذان)، كان الجنوب دولة بمؤسساتها ومصانعها وكوادرها، لكنه خسر الحرب في مواجهة اللا دولة، مجموعات قبلية مسلحة تحت غطاء الدولة.
تلك اللحظة المفصلية يجب الوقوف أمامها ودراستها لضمان عدم تكرار تلك الهزيمة، أمام القوى اليمنية التي وإن اختلفت إلا أنها في الحقيقة لازالت متحدة في مواجهة دعوات الإستقلال.
الشعارات البرّاقة ليست سلاحا في ميدان المعركة، والادعاءات الكاذبة تنكشف في اللحظة الحاسمة، وتتكشف الكثير من الأقنعة المزيفة والمزايدين، الغرور قاتل ولا يجب الاستقواء ببعض تشكيلات عسكرية هنا وهناك لن ترقى في معظمها إلى ما كان الجنوب يمتلكه قبل حرب صيف 94م، -ولا أقصد هنا التقليل منها-، لكن القوة الحقيقية هي تماسك الجبهة الداخلية، القوة الحقيقية هي قوة الإرادة الشعبية، ولن تتشكل تلك القوة بين عشية وضحاها، بل بقدر خطوط التواصل بين الهرم والقاعدة تتشكل تلك العلاقة المتينة التي لا تستطيع أقوى قوة في العالم أن تهزمها.
إننا نلحظ تشتت وتفكك في جبتهنا الداخلية، وانتشار ظاهرة التكتلات الشللية -داخل أروقة التشكيل الواحد- والإعتماد على الولاءات الشخصية والإنقياد لأصوات التشكيك والتخوين وفتح دكاكين طباعة وتوزيع صكوك الوطنية، وهو مايقودنا إلا إلى مزيد من الفرقة والضعف والهزيمة، فالوطن ليس حكرا على حزب ولا جماعة، ليس حكرا على جهة أو قرية. الوطن يتسع للجميع ولابد من رسم خطوط التقاء بدل التقاطع مع أكثر فئة ممكنة والاعتماد على النخب والكوادر الحقيقية والولاءات الوطنية بعيدا عن تدوير النفايات.
إن الهوة الكبيرة والمتزايدة بين الشعب الذي يعاني أهوال مريرة من شظف العيش وتردي الخدمات، يقابله قيادة بعيدة كل البعد عن تلك المعاناة فهي تعيش الترف وترسم أحلاما وردية على الماء، غير أبهة في حقيقة الأمر ممّا يجري لشعبها، فلا هي استطاعت أن ترسم إنموذجا صحيا في إطار الإدارات والمناطق التي تحت سيطرتها ولا الوزارات التي تقاسمتها، ولا هي استطاعت الانسحاب من تلك اللعبة القذرة، تساوت مع الشرعية المزيفة حتى تشابه البقر علينا.
أما على صعيد هيئاته الداخلية فلا زالت عمليات التصفية المستمرة للقيادات الوطنية وأولئك الشباب الطاهر الذين لم يتكئوا على سند حزبي يحميهم من سرقة تضحياتهم التي قدموها انطلاقا من شعورهم بالمعاناة في مواجهة آلة القمع اليمنية، حتى اختفوا من المشهد السياسي بشكل مفجع وخطير.
مؤسفٌ ومؤسفٌ جدا ما جرى ويجري بحق هذا الشعب العظيم الذي صبر وصبر كثيرا وانصدم بواقع سيء أبى حتى اللحظة أن يصدّقه بعد أن خارت قواه واستسلم لمصيره.
الصمت عار .. ويظل السؤال الدامي يراودني .. متى سيصل الوعي المجتمعي للحظة التغيير المنشودة؟؟
وللحرية الحمراء باب ** بكل يد مضرجة يدق