آخر تحديث :الأربعاء-27 مايو 2026-08:35م

لماذا انطلقت عملية خليفة؟

الإثنين - 24 أكتوبر 2022 - الساعة 03:05 م
جبران شمسان

الانجليز ليسو ملائكة.. لهم أخطاؤهم ولنا أخطاؤنا, ولهم صوابهم ولنا صوابنا..  والقبيلي الجنوبي أو الشمالي من العصيين على الدولة فَهَم عدن خطأ, إنه يفهمها غنيمة أو فريسة ومحطة ترانزيت له.. فهو إذا انتصر على منافسه القبلي  بقى فيها,  وإن هُزِم فإنه يفر نحو الجبل وقريته.. بل أنه قبل كل معركة يبدأ بنقل عائلته وعفشه إلى القرية حتى يأمن ؛ أما ابن عدن فيظل مصيره مربوطا بمدينته عدن التي ولد وعاش وتربى فيها وتعلم, ليس له من ملجأ ولا ملاذ سواها.
   الانجليز أصدقاء وليسو أسياد, وعملية خليفة لم تأتِ من فراغ، وفي السياسة لا توجد عواطف.. علينا أن لا نفكر نحو الانجليز أي البريطانيين بعاطفة لأنهم لا يفكرون نحونا بنفس الطريقة والمشاعر. ولكن لا توجد عداوات دائمة ولا صداقات دائمة. الأجنبي يختار الأسوأ بالنسبة لنا لكي يمرر مخططاته.. الانجليز قاوم الاحتلال الروماني الذي استمر مائتين عام في بلادهم. والأمريكان قاوموا الاستعمار البريطاني الذي حكم أمريكا ثم تحرروا منه.. فالكفاح الوطني المسلح والشعبي حق مشروع عبر التاريخ, حتى لو كان المحتل ملاكا.. والانجليز ليسو ملائكة.. ولاهم شياطين ونحن ايضا لسنا ملائكة ولا شياطين. والروس خضعوا للاحتلال التتاري المغولي مئتين عام كما خضع الانجليز للاحتلال الروماني. ولا تستهينوا بالعرب فقد هزموا الرومان في معركة حاسمة ودحروا إمبراطوريتهم وأسقطوا إمبراطورية الفرس المجوس, كما هزموا المغول في معركة فاصلة وتحطم الهجوم المغولي في عين جالوت بفلسطين وخلص العرب روسيا بشكل غير مباشر من همجية المغول عندما هزموا المغول في عين جالوت. 
     صحيح أن الاستعمار البريطاني أهون من الاستعمار الفرنسي والإيطالي ولكن ما صنعه البريطانيون عند الخروج والمغادرة ألعن وأسوأ مما صنعه الفرنسيون والطليان في البلاد التي احتلوها. لقد تعمد مناصرة جبهة صغرى محدودة على حساب جبهة شرعية كبرى منتشرة, وقد فعل ذلك عمدا وقصدا وهدفا وقصفها بالطيران مرتين في كرش وغيرها باعتراف آخر مندوب سامي بريطاني (همفري تريفيليان في مذكراته: "الشرق الأوسط في ثورة") وسلط الريف على المدينة بحيث لم تلقَ عدن بعدها عافية وعانت من ورم سرطاني جعلها في موت سريري حتى الآن.

وعملية خليفة لماذا انطلقت؟: 
    تقدم العدنيون في مستعمرة عدن بشتى الطرق السلمية مطالبين المستعمر البريطاني بتحقيق ابسط مطالبهم على مدى 15 عاما ولكن المستعمر المحتل لم يحقق شيئا منها. 
     هل يرى الذين يودون الانجليز و ينزهونهم  عن الخطأ, ويردّون الخطأ على ثورة وشعب.. هل يرون أن تلك المطالب كانت خطأ أو جملة أخطاء؟ وأنه كان  من الخطأ تقديمها للحكام البريطانيين؟..  أقول إذا كان واحدا من هذه المطالب في غير محله أو كان خطأ فإنني أعتذر عن تقديم هذه الرسالة أو هذا الكتاب . 
 هل تعلمون ماهي هذه المطالب الستة على مدى سنين:
(1) الحكم الذاتي لعدن.
(2) مطلب الوظيفة العامة ومقابلة المستعمر لها بالمماطلة والتسويف؛ حيث كان الأجانب من بلدان الكومنولث البريطاني يستحوذون على الوظائف بعدن, وكان البريطانيون يطلقون وعودهم لتنفيذ (عدننة أو تعدين) الوظائف ولا ينفذونها وهي جعل معظم الوظائف بأيدي أبناء المدينة الأصليين وأبناء العرب المولودين فيها. وظل المستعمر يماطل سنوات حتى خاب الأمل.  
(3) التمثيل النيابي العادل وقد كان غير عادل ولا متوازن منذ تشكيله في العام 1947م.
(4) مطلب عدم الانضمام إلى اتحاد مع ولايات تشكل مجتمع ثأر قبلي مسلح وبدائي قد تقطع فيه الطرق والسبيل ولا تحترم روح القانون فيه.
(5)  مطلب رفض توجه البريطانيين نحو بقاء قاعدة تخفي قنابل ذرية (وهو ما كشفه الوطني لقمان في خطاب الأمم المتحدة) وصواريخ تحمل رؤوس نووية (وهو ماكشفه الوطني باهارون) (وقد نشر ذلك آخر رئيس للمجلس الأعلى لدولة الجنوب العربي البائدة السيد محمد حسن عوبلي في كتابه اغتيال بريطانيا لعدن والجنوب العربي.)  
(6) مطلب تشكيل جيش من أبناء المدينة وهي فكرة لقمان وباهارون؛ حماية لها من الغزو والاعتداءات التي كانت تباغتها قبل الاحتلال البريطاني من مختلف القبائل. ولكن المحتل شكل جيش من الريف وأطلقه نحو المدينة عمدا وغرضا في شهر الاستقلال  وهو ما توقعه باهارون. وقد صنع المحتل الجيش لمثل ذلك اليوم.
لا توجد مدينة عربية أو عاصمة تعرضت تاريخيا لعدة هجمات بربرية وهمجية من محيطها الداخلي القبلي لغزوها ونهب ميزانيتها كما صار لعدن ومينائها عدة مرات من المحيط الجغرافي القبلي العصي والسلبي حولها. كان هذا يحدث قبل الاحتلال ثم حدث بعد الاستقلال الصراع القبلي على عدن وتكرر حتى عام 2019م.
مَن مِن القراء العدنيين وغيرهم بعد هذا يستطيع القول أنها كانت مطالب باطلة أو غير عادلة؟ لقد كانت عادلة ووطنية ومشروعة وهي حق لكل شعب ومدينة.
لقد رفض الانجليز المطالب السياسة والاجتماعية والأمنية (تشكيل قوات محلية تحمي المدينة)  وتوجهوا لدمج عدن دمجا قسريا في الاتحاد الريفي القبلي الذي تختلف تركيبته الاجتماعية والسياسية والأمنية عن تركيب المدينة. وخرج زحف جماهيري (عُرف بتسمية "الزحف المقدس" في 24سبتمبر 1962م) وسالت فيه دماء في وذلك قبل ثورة 26 سبتمبر 62م في صنعاء بيومين ليرفض دمج عدن بالاتحاد دمجا قسريا. واستمر الانجليز في مشروعه وأغرى بعض المعارضين انه بإمكان عدن الانسحاب من مشروع أو نظام الاتحاد بعد اربع سنوات إذا لم يناسبها. ولكنه استمر فيه غصبا وقهرا وكان يوم 10 ديسمبر 1963 يوم محدد ليطير فيه الوزراء العدنيون ووزراء الولايات الريفية والقبلية (من حكام وسلاطين وامراء ومشايخ) إلى لندن بطائرة خاصة لعقد مؤتمر دستوري يجمع بين الأطراف ويقيم دولة اتحادية تضم عدن وهنا تدخل المؤتمر العمالي العدني في عدن, وكان الرجل  والرمز والسهم الذي أطلقه المؤتمر العمالي بعدن  هو خليفة عبد الله حسن خليفة الذي نفذ عمليته الفدائية الحساسة والنوعية واصاب حاكم عدن والجنوب ومساعده وخسر نائبه حياته (*) وهو يدافع بجسده عن الحاكم, وألغيت الرحلة الجوية وفشل انعقاد مؤتمر لندن ؛ وأعلن حاكم عدن والجنوب حالة الطوارئ التي يعتقل فيها الناس لمجرد الشبهة ودون دليل ومبرر ودون أمر رسمي من محكمة مختصة أو نيابة بل اعتقال عشوائي وهذا القانون استمر إلى شهر الجلاء او الاستقلال المغدور. 
ومما يهمنا في هذا الكتاب هو الاطلاع على تفاصيل هذه العملية التاريخية الفارقة التي قام بها ابن عدن خليفة وعلى تداعياتها,  حيث غيرت العملية مجرى الأمور , وقلبت كيان المستعمر وتفكيره وسرّعت من الجلاء. كما يهمنا في هذه الرسالة هو شرح وتفصيل كيف هُضم أبناء عدن وهُـمّشوا في عهد المستعمر وبعد الاستقلال وحتى في ظل الوحدة .. إن أملنا كبير ونحن متفائلون في شعورنا أن ابن عدن سينصف الآن في ظل الدولة الاتحادية ونظام الأقاليم وتطبيق المادة 273 كحد أدنى لصالح أبناء عدن كي يديروا مدينتهم بأنفسهم حتى لا تتكرر الصراعات بين القبائل داخل المدينة وفي شوارعها إرهابا للمستضعفين فيها, وتتشوه صورة الوطن والكل أمام العالم وأملنا كبير في الدستور الجديد الذي ولد بالحوار الوطني وما عرف بالمبادرة الخليجية.  
 

جبران شمسان. 

اكتوبر 2022م