آخر تحديث :الأربعاء-27 مايو 2026-10:07م

رحلتي الى مدينة مونكتون ( Moncton)

الجمعة - 23 سبتمبر 2022 - الساعة 05:16 م
صالح سعيد المفلحي

 

صالح سعيد المفلحي

تقع مدينة مونكتون ينطقونها هنا (منتون ) وهي أكبر مدينة في ولاية نيو برونزويك في كندا ، وهي ولاية ساحلية على المحيط الأطلسي وفيها ميناء كبير للاستيراد والتصدير .
مونكتون مدينة صغيرة ويبلغ عدد سكانها حسب آخر إحصاء لعام ٢٠١٦م حوالي  ٧١ ألف نسمة ، وفيها كل الخدمات الضرورية كما هو حال كل المدن الكندية , وأهم ما يلفت النظر  في هذه المدينة  الهادئه النهر الأحمر الذي يسموه نهر الشوكولاته لان ماء النهر يأتي مخلوطا بتربة حمراء .

وصلنا الى المطار الصغير بهذه المدينة ليلة ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٢م قادمين من مدينة وندسور( windsor) مارين في مطار تورنتو (Toronto) ثم مطار اوتاوا (Ottawa ) .
كان هدف  زيارتنا لهذه المدينة مرافقة أحد الجيران والذي  يدعى ابو (مرعي) من الجالية السورية وكان سابقا يسكن هذه المدينة لإنهاء مشكلة سابقة معه ثم العودة بعد ذلك الى وندسور .  
استقبلنا احد اصدقاء ابو مرعي ويدعى ابو محمد في المطار و اصطحبنا الى بيته لتناول وجبة العشاء والسمر حتى منتصف الليل، ثم نقلنا للمبيت لدى اسرة سورية اخرى كانوا فيما مضى جيران لهم ، وقد استقبلونا بترحاب وحفاوة .

هذه الاسره من سكان الحسكة في سوريا قبل ان تفقد عائلها في ايام الثوره السوريه ، تعرضت منازلهم للقصف فاضطروا للهرب الى الأردن خوفا على حياتهم ، وهناك عاشوا خمس سنوات ومنها هاجروا كلاجئين الى كندا والى مدينة مونكتون .
هذه الاسره مكونه من ثلاثة أولاد وبنتين يصابون بمرض وراثي يفقدون به البصر تدريجيا ، عندما يتجاوزون العشر السنوات الاولى من أعمارهم وليس جميعهم ، إذ ان احد ابنائهم ويدعى وليد حاليا في عمر الثالثة والثلاثين ولم يصب بهذا المرض وهو متزوج ولديه ابناء ولا زال يعيش في الأردن .
تعرفت على الابن الثاني في الاسرة ويدعى  (محمد) عمره ٢٥ عام وقد تخرج من هاي سكول بتفوق الأول في دفعته ، وهو حاليا يحضر للدخول الى الجامعة للدراسة في القانون الدولي ، يتصرف وكأنه لا يعاني من اعاقة البصر حتى انه عندما استقبلنا و طلبت منه عنوان البيت طلب مني هاتفي فكتب لي العنوان كاملا دون خطأ ، لكن كنت اسمع من الهاتف عند كتابة أي حرف كان الهاتف ينطقه وهو بهذا يدرك ما يكتبه ، ومحمد يملك اكثر من موهبه فهو مثلا يغني بصوت جميل ويعزف على الجيتار بشكل جيد ، ويمارس الرياضة بصورة منتظمة حتى أنه بدا لي وكأنه من ممارسي رياضة كمال الاجسام .

مع هذه الأسرة ايضا بنت قابلتها مقابلة قصيرة مع زوجها اليمني من مدينة الحديدة الساحلية واسمه حميد وهي تدعى أميرة ، وهي فتاة جميلة شكلا ومضمونا لا يتجاوز عمرها سبعة وعشرين كما فهمت، انهت دراستها في الهاي سكول وهي متفوقة و لغتها الانجليزيه ممتازه ومتفائله في المستقبل وتشعر بالسعادة مع زوجها ، وتأمل أن تواصل دراستها ، وتساعد وتسعد زوجها ، لقد تحدثت معي بثقة عاليه وقالت لي قل لحميد يكون رومنسي معي ، تشعر معها وكأنها تجاوزت الاحساس بالإعاقة بل إنها في تحدي معها ،
كما انها على اطلاع ومعرفه بالكثير من امور الحياة . 
جلست مع زوجها حميد على انفراد وحدثني عنها بحب واحترام وقال انها كانت مستعدة لهذه الحالة وأنها تمارس أنشطتها المنزلية بكل حرفية وأنه فخور بها وانها تساعده في دراسة اللغة وفي تسهيل حياته الخاصة وقال لقد شعرت انني كنت أعمى اجهل الكثير من الأمور ومعها أشعر بالتغيير في حياتي وخلقت عندي روح التحدي والثقة بالنفس وأنه سعيد جدا معها. 
قابلت الولد الأصغر في هذه العائلة ويدعى ماجد شاب وسيم يبلغ من العمر تسعة عشر عاما يجيد اللغه الانجليزيه  وسجل في الجامعة لا يزال بصحة جيدة ولكنه يخشى ان يصل الى ماوصل اليه أخوه محمد واخواته الاثنتين  وقد شحذ همته لكل طارئ . 
وبقى الحديث الأهم عن الام المثالية ام وليد وهي امرأه تجاوزت الخمسين عاما معتدلة القامة  ، نشطة ، تطبخ وتغسل وتعمل كل اعمال البيت ، وتبدو في صحة ممتازة ، كيف لا وهي دائمة الحركة تعمل طوال الوقت في بيتها وخارجه وترعى هذه الأسر الكبيرة بظروفهم المعروفة ، وبيتها نظيف ومرتب ، حتى انها في اليوم الثالث كانت مضطرة للسفر مع اولادها  الى مدينه اخرى لاجراء بعض الفحوصات لهم ، اضطرت ان تقوم باكرا لتحضير الافطار لنا  وضعته على الطاولة وبجانبه وضعوا مفتاح البيت  لإغلاقه بعد خروجنا منه .
لقد عشنا مع هذه الأسرة الفاضلة ثلاثة ايام احسسنا خلالها بالدفىء والمحبة وكرم الضيافة واللطف والترحاب وكأننا في فندق خمسه نجوم ، لقد احببناهم ونشعر بالفخر بالتعرف عليهم .
والدرس الذي تعلمته منهم هو أن الإنسان لديه قدرات هائلة وأن الحياة تلين وتتكيف مع اصحاب الهمم العاليه.