ليس كل رحيلٍ مجرد مغادرة لمكان، فهناك رحيل يترك فراغًا في القلوب، ووجعًا في ذاكرة المؤسسات ، وغصة في نفوس الأجيال . وهناك رجال لا يغادرون لأنهم ملّوا العطاء، أو فقدوا شغفهم بالعمل، بل لأن قسوة الظروف المعيشية دفعتهم إلى البحث عن لقمة عيش كريمة بعيدًا عن وطنٍ أحبوه ، وأعطوه أجمل سنوات أعمارهم.
بهذا الوجع ، تغادر شبوة شخصيتان تربويتان وإداريتان لهما حضورهما المشهود في الميدان التعليمي والاجتماعي ، هما الأستاذ ناصر أحمد الأسي ، مدير ثانوية حنيشان بالعاصمة عتق سابقًا، والأستاذ سميح عبدالله عبدالقادر الشيخ ، مدير ثانوية الشهيد جسار بمديرية الروضة، في رحلة اغتراب جديدة إلى المملكة العربية السعودية بحثًا عن فرصة عمل ومصدر رزق يواكبان به متطلبات الحياة.
إنه مشهد مؤلم حين يصبح السفر والاغتراب خيارًا تفرضه صعوبة المعيشة على رجالٍ أفنوا سنوات طويلة في خدمة التعليم، وصناعة الأجيال، وبناء المستقبل.
يغادر الأستاذ ناصر أحمد الأسي موقعه الإداري في ثانوية حنيشان ، بعد مسيرة تربوية وإدارية امتدت لأكثر من 13 عامًا، ترك خلالها بصمات واضحة في مسيرة هذا الصرح التعليمي بمدينة عتق . فقد عمل وكيلًا للثانوية خلال الفترة من 2013م وحتى 2023م ، قبل أن يتولى إدارتها حتى العام الدراسي 2025 - 2026م ، ليختتم مشوارًا حافلًا بالعمل والمتابعة والجهد التربوي.
ولم تكن تلك السنوات مجرد فترة إدارية عابرة ، بل كانت سنوات عطاء ونتائج مشرفة ، انعكست على مستوى التحصيل العلمي لطلاب الثانوية ، الذين اعتادوا حصد مراكز متقدمة على مستوى محافظة شبوة والجمهورية. وكان آخر ثمار هذا العطاء حصول ستة من طلاب ثانوية حنيشان على مراكز متقدمة ضمن أوائل المحافظة لهذا العام ، في إنجاز يعكس حجم الجهود التربوية والتعليمية التي شهدتها الثانوية خلال السنوات الماضية.
وجاء قرار استقالته من إدارة الثانوية ، وفق ما أوضحه، نتيجة عوامل وظروف شخصية خاصة ورغبته الذاتية في إنهاء مشواره الإداري ، في توقيت تتزامن فيه مغادرته مع ظروف معيشية صعبة تدفعه إلى البحث عن فرصة عمل في المملكة العربية السعودية.
أما الأستاذ سميح عبدالله عبدالقادر الشيخ ، فهو نموذج آخر للكفاءة التي يصعب على الوطن التفريط فيها بسهولة. أستاذ جامعي يحمل شهادة الماجستير، وشخصية تربوية وإدارية واجتماعية وإعلامية ، شغل منصب نائب مدير مكتب التجارة والصناعة بمديرية الروضة ، ومدير ثانوية الشهيد جسار بالمديرية، إلى جانب حضوره كاتبًا وناشطًا إعلاميًا ووجهًا اجتماعيًا معروفًا.
لقد كان للأستاذ سميح حضور واضح في مسيرة ثانوية الشهيد جسار ، التي واصلت تحقيق الإنجازات العلمية والنتائج المتميزة على مستوى المحافظة والجمهورية ، في ظل إدارته ومتابعته وجهوده مع زملائه من الكادر التعليمي . ومن أبرز الشواهد على ذلك الإنجاز العلمي اللافت الذي حققه طلاب الثانوية ، حيث حصل الطالبان أدهم أيوب زعبل وأصيل أحمد جيلان على المركز الثاني على مستوى الجمهورية والأول على مستوى محافظة شبوة بنسبة 99.75%.
كما حقق الطالب علي عبداللطيف زعبل المركز الثاني على مستوى المحافظة بنسبة 99.66%، وحصل الطالب محمد عبدالمحسن القباص على المركز السابع بنسبة 99%. وسبق ذلك إنجاز استثنائي للطالب المتفوق بلال عبدالله علي الشيخ، الذي نال المركز الأول على مستوى الجمهورية للمحافظات المحررة في امتحانات الثانوية العامة بنسبة 99.63% ، إلى جانب كوكبة من أوائل المحافظة، وهم عامر محسن الخشيم، ومهند عبدالله بلكسر، وسالم عبدالمنعم مسرور، وجلال محمد شايع، وفيصل سعيد محضار.
إنها أسماء ونتائج لا تأتي من فراغ ، بل تقف خلفها جهود معلمين وإدارات تربوية وبيئة تعليمية تؤمن بأن العلم هو الطريق نحو المستقبل. ومع ذلك ، يجد الأستاذ سميح نفسه اليوم مضطرًا لمغادرة وطنه ، حاملًا مؤهلاته العلمية وخبراته الإدارية والتربوية ، بحثًا عن لقمة عيش كريمة، في ظل رواتب لم تعد تواكب متطلبات الحياة وغلاء المعيشة ، والتحديات الاقتصادية التي أثقلت كاهل العاملين في القطاع التربوي.
إن مغادرة الأستاذين ناصر الأسي وسميح الشيخ ليست مجرد انتقال شخصين من شبوة إلى السعودية ، بل هي حكاية تختصر معاناة قطاع تربوي بأكمله، ورسالة تستحق أن تصل إلى الجهات المعنية ، بأن المعلم والتربوي وصاحب الكفاءة يحتاجون إلى حياة كريمة تليق برسالتهم وتضحياتهم.
فليس من السهل أن يغادر مدير ثانوية قضى أكثر من ثلاثة عشر عامًا في خدمة التعليم ، ولا أن يرحل أستاذ جامعي يحمل الماجستير ، ويمتلك خبرات تربوية وإدارية وإعلامية، تاركًا خلفه طلابًا صنعوا الفارق ورفعوا اسم شبوة في منصات التفوق العلمي.
إن الأوطان لا تخسر أبناءها عندما يسافرون فحسب ، بل تخسر جزءًا من خبراتها حين تدفعهم الظروف إلى البحث عن فرص العيش بعيدًا عنها. وما أحوج شبوة اليوم إلى الاحتفاظ بكفاءاتها ، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة لمن جعلوا من التعليم رسالة ، ومن خدمة الأجيال مسؤولية ، ومن النجاح عنوانًا لمسيرتهم.
قد تأخذكما الغربة إلى أرض جديدة، وقد تبعدكما المسافات عن مدارس وأماكن ارتبطت بسنوات من العمل والذكريات ، لكن ما زرعتماه في عقول طلابكما سيظل حاضرًا ، وما قدمتماه لثانوية حنيشان وثانوية الشهيد جسار سيبقى شاهدًا على مسيرة لا تمحوها المسافات ولا تنسيها الأيام.
نقول لكما: وفقكما الله في غربتكما ، وحفظكما في حلّكما وترحالكما ، وفتح أمامكما أبواب الرزق والخير ، وجعل طريقكما آمنًا ميسرًا ، ورزقكما من واسع فضله ، وأعادكما إلى أهلكما ووطنكما وأنتم في أتم الصحة والعافية.
لكن يبقى السؤال الذي يوجع القلب : إلى متى يظل المعلم والتربوي وصاحب الكفاءة مضطرًا إلى مغادرة وطنه بحثًا عن لقمة العيش ، بينما الوطن في أمسّ الحاجة إلى علمه وخبرته وعطائه؟
إنها ليست حكاية رحيل رجلين فحسب ، بل حكاية وطن يحتاج إلى أن ينصف أبناءه ، ويحفظ كفاءاته ، ويمنح صُنّاع الأجيال حياة تليق برسالتهم.


