آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-12:56ص
اليمن في الصحافة

الوازعية... مفتاح "فجر اليمن" بين تعز وباب المندب

الأربعاء - 07 أكتوبر 2026 - 07:12 م بتوقيت عدن
الوازعية... مفتاح "فجر اليمن" بين تعز وباب المندب
المصدر: (عدن الغد) فخر العزب:

تعود مديرية الوازعية الواقعة في أقصى جنوب غربي محافظة تعز، إلى واجهة المشهد العسكري اليمني مع انطلاق عملية "فجر اليمن"، بعدما أصبحت واحدة من أبرز نقاط التماس في المعارك الممتدة بين تعز والساحل الغربي ومحافظة لحج جنوباً. وتكتسب المديرية، التي تبعد عن مركز مدينة تعز حوالي 80 كيلومتراً، أهمية تتجاوز مساحتها وسكانها، بفعل موقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين المرتفعات الغربية لتعز والمناطق الساحلية، وصولاً إلى باب المندب.

وتقول القوات الحكومية إنها بدأت، يوم الثلاثاء، عملية عسكرية واسعة لاستعادة الوازعية، بالتزامن مع عمليات أخرى في الساحل الغربي وتعز. وأعلنت قوات "درع الوطن" سيطرتها على التباب الاستراتيجية المطلة على جبل المنصورة، في حين تحدثت مصادر عسكرية عن فرار مقاتلين حوثيين من بعض المواقع.


موقع يتوسط تعز ولحج والساحل

وتبلغ مساحة الوازعية نحو 439 كيلومتراً مربعاً، وفق بيانات مكتب التخطيط والتعاون الدولي في المحافظة، وتتكون من خمس عزل (مجموعة قرى) هي: (المشاولة، والأحيوق، والظريفة، والسويداء، والبوكرة).

ويبلغ عدد سكانها، بحسب بيانات المكتب، نحو 46.7 ألف نسمة وفق تقديرات الإسقاط السكاني. وتحد الوازعية من الشمال مديريتا المعافر وموزع، ومن الجنوب محافظة لحج، ومن الشرق مديرية الشمايتين، بينما تحدها من الغرب مديرية ذوباب والمناطق المتصلة بالساحل الغربي. وهذا الموقع يجعلها منطقة انتقال جغرافي بين ثلاث بيئات مختلفة: المرتفعات الداخلية لتعز، والمناطق الجبلية الواقعة على تخوم لحج، والسهل الساحلي المؤدي إلى البحر الأحمر وباب المندب.

وتكمن أهمية الوزاعية في أنها تتوسط شبكة من الطرق والممرات التي تصل مناطق تعز الداخلية بالساحل، كما تتصل ميدانياً بجبهات الكدحة والبرح وموزع من جهة، وبمناطق المضاربة ورأس العارة وكهبوب في لحج من جهة أخرى. وتتميز الوازعية بتضاريس جبلية وتلال متداخلة، وهو ما يمنح المرتفعات فيها قيمة عسكرية كبيرة.

وتبرز في مسرح العمليات مناطق الظريفة والأحيوق والغيل والحناية والمنصورة، إضافة إلى المرتفعات المتصلة بجبهات المضاربة وكهبوب. وقد شهدت هذه المناطق خلال سبتمبر/ أيلول معارك متكررة، مع انتقال خطوط التماس بين القوات الحكومية والحوثيين. وتشير تقارير ميدانية إلى أن جبهة الوازعية باتت جزءاً من مسرح أوسع يمتد من شرقها نحو الكدحة وبني بكاري والعنين في مديرية جبل حبشي، ومن جنوبها نحو كهبوب وباب المندب.

وتتضاعف قيمة هذه التضاريس بفضل قربها من الخطوط التي تصل تعز بالمناطق الساحلية، بينما تتميز المديرية بتضاريسها شديدة الوعورة، فهي تتألف من سلسلة مرتفعات جبلية شاهقة تتخللها أودية عميقة ومنحدرات حادة تجعلها حصناً طبيعياً ومنطقة معقدة عسكرياً ولوجستياً. وتبرز أهمية هذه التضاريس عبر عقدها الجبلية الحاكمة، وعلى رأسها جبل نُمان الذي يشرف بصورة مباشرة على خطوط الإمداد بين الوازعية ومناطق المضاربة بلحج، فضلاً عن المرتفعات المتاخمة لوادي الكافر والقرى الحدودية التي تتحكم في طرق الحركة العسكرية من وإلى الساحل.


لماذا تُعدّ الوازعية مهمة عسكرياً؟

يمكن اختصار أهمية الوازعية في ثلاثة مستويات:

الأول، أنها حلقة وصل بين تعز والساحل الغربي. وتشكل المديرية جزءاً من الحزام الجغرافي الذي يربط جبهات غرب تعز بالساحل، ولذلك ينعكس أي تغير في السيطرة عليها على وضع جبهات الكدحة والبرح وموزع من جهة، والمناطق الواقعة باتجاه باب المندب من جهة أخرى.

الثاني، أنها تقع بالقرب من الحدود الإدارية والجغرافية بين تعز ولحج. ومن هنا تتصل جبهاتها بمناطق المضاربة ورأس العارة وجبل كهبوب، وهي مناطق اكتسبت أهمية أكبر مع تحول باب المندب والساحل الغربي إلى مسرح رئيسي للصراع. وقد شهدت المناطق الواقعة بين الوازعية والمضاربة خلال سبتمبر مواجهات على جبال ومواقع حاكمة، بينها جبل البازلة وجبل نُمان.

أما المستوى الثالث، فيتصل بمحاولة كل طرف تأمين عمقه العسكري، فالقوات الحكومية تنظر إلى الوازعية باعتبارها منطقة ضرورية لتثبيت خطوطها في جنوب غربي تعز، ومنع الحوثيين من تحويل التقدم في الساحل إلى ضغط باتجاه المناطق الداخلية، كما أن السيطرة عليها سيمكّن القوات الحكومية من قطع خطوط الإمداد على قوات الحوثيين الموجودة حالياً في مدينة التربة والمناطق المجاورة لها في ريف تعز الجنوبي. وفي المقابل، فإن امتلاك جماعة الحوثيين مواقع في الوازعية أو محيطها يمنحها فرصة للضغط على الطرق والمرتفعات التي تصل الساحل بريف تعز.

ولهذا، ليست المعركة على الوازعية معركة على مديرية ريفية فحسب، وإنما جزء من صراع أوسع على الممر الجغرافي بين تعز والساحل وباب المندب. وكانت القوات الحكومية والقوات المتحالفة معها تسيطر على معظم الوازعية قبل موجة التصعيد التي شهدتها تعز والساحل الغربي منذ مطلع سبتمبر. وكانت المديرية ضمن مناطق انتشار القوات الحكومية وتحديداً القوات التابعة لـ"المقاومة الوطنية" و"ألوية العمالقة"، مع وجود خطوط تماس حوثية في الأطراف الشمالية والشرقية.

لكن تصاعد القتال في سبتمبر أدى إلى تغيرات متلاحقة في خطوط التماس. ولم تكن الوازعية، وفق المعطيات المتاحة، قد سقطت بالكامل بيد الحوثيين كمديرية، وإنما شهدت اختراقات وتقدماً حوثياً في مواقع وأطراف استراتيجية، أعقبها هجوم مضاد للقوات الحكومية واستعادة مواقع. وفي 17 سبتمبر، على سبيل المثال، أعلنت القوات الحكومية استعادة جبل البازلة وموقع مدخولة في جبهة الأغبرة الواقعة بين الوازعية والصبيحة بلحج، بعد معارك مع الحوثيين. وفي اليوم التالي، تحدثت مصادر ميدانية عن استعادة موقعين كانت الجماعة قد سيطرت عليهما في الوازعية، وإجبار مقاتليها على التراجع باتجاه جسر الظريفة.

كما شهدت المنطقة الحدودية مع المضاربة معارك حول جبل نُمان ومواقع أخرى، بينما حاول الحوثيون الدفع بتعزيزات باتجاه الوازعية ومناطقها الغربية والجنوبية. وبذلك، تحولت المديرية خلال أسابيع إلى منطقة سيطرة متحركة بدلاً من خط ثابت. وتشير تقارير لاحقة إلى أن الحوثيين تمكنوا خلال موجة التصعيد من السيطرة على مناطق ساحلية استراتيجية، بينها المخا وذوباب وباب المندب، قبل أن تعلن القوات الحكومية لاحقاً استعادة ذوباب وباب المندب في إطار عملية "فجر اليمن".


هواجس السكان ومعاناتهم المعيشية

وسط هذه التطورات الميدانية، يعيش الأهالي حالة من القلق المتصاعد، وفي هذا السياق، يوضح المواطن مصطفى المشولي، من أبناء الوازعية، أن "هناك تخوفات لدى السكان من أن تتحول المديرية إلى ساحة حرب طويلة المدى، لا سيما أن ظروف الناس الصعبة لا تتحمل المزيد من المعاناة"، مشيراً إلى أن "التخوف الأبرز يبقى مرتبطاً بسياسات الحوثيين المفروضة بالقوة وجباياتهم المالية، فضلاً عن رفض الأهالي وغياب أي حاضنة شعبية للجماعة في المديرية".

من جانبه، يبيّن المواطن عبد الله الظرافي، من أبناء الوازعية، أن الغالبية العظمى من السكان يعتمدون في سبل معيشتهم اليومية وبشكل رئيسي على الزراعة وتربية المواشي، وهي مصادر رزق هشة تتأثر بشكل مباشر وفوري بأبسط الهزات الأمنية". ويحذر الظرافي من أن "تحوّل المديرية إلى ساحة حرب مفتوحة وطويلة الأمد سيضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ومعاناة الأهالي، لا سيما في ظل انعدام البدائل الاقتصادية ومصادر الدخل الأخرى"، مختتماً بالقول إن "الأمل الأكبر يظل معقوداً على حسم عسكري سريع وخاطف لصالح القوات الحكومية ينهي كابوس الحرب ويجنب المنطقة المزيد من المعاناة".

ولا تنفصل معركة الوازعية عن معارك الساحل الغربي، فاستعادة المديرية، إذا اكتملت، يمكن أن تمنح القوات الحكومية مجالاً أوسع لتثبيت خطوطها بين تعز والساحل، وتخفيف مخاطر الالتفاف على القوات الموجودة في المناطق الساحلية. وفي المقابل، فإن استمرار سيطرة الحوثيين في المرتفعات والممرات المتصلة بالوازعية يمكن أن يبقي الضغط قائماً على القوات الحكومية في الكدحة ومناطق غرب تعز، ويمنح الجماعة إمكانية تهديد طرق الحركة بين تعز ولحج والساحل.


نقلاً عن (العربي الجديد)