آخر تحديث :الأربعاء-07 أكتوبر 2026-01:26ص
ملفات وتحقيقات

الشرعية تقلب موازين الحرب... فهل اقتربت معركة صنعاء؟

ماذا بعد مفاجأة "فجر اليمن"؟

الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - 05:55 م بتوقيت عدن
ماذا بعد مفاجأة "فجر اليمن"؟
المصدر: (عدن الغد) أنور العنسي:

مفاجآت كبيرة حملتها عملية "فجر اليمن"، تمثلت في استعادة القوات المسلحة اليمنية السيطرة على مضيق باب المندب، ومديرية ومطار منطقة ذوباب، وصولا إلى مدينة المخا الاستراتيجية، وذلك بعد أقل من شهر على وصول ميليشيا الحوثي إلى تلك المناطق، إثر انسحاب غامض وغير منظم لبعض القوات الحكومية منها.

وقد شكّل ذلك الانسحاب، حينها، صدمةً دفعت قيادة القوات الحكومية إلى تلافي مكامن الخلل والقصور، وإعادة تنظيم صفوفها، قبل أن تعود بقوة إلى مواقعها السابقة، بدعمٍ كبير وفعّال من مقاتلات تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده المملكة العربية السعودية.

لم تكمن المفاجأة فقط في عنصر المباغتة التي أنقضت بها قوات الجيش اليمني على المواقع قيد الاستحداث وبناء التحصينات ونصب الرادارات، التي كان الحوثيون قد بدأوا بالعمل عليها بمساعدة خبراء من "الحرس الثوري" الإيراني، بقدر ما كانت في السرعة التي تهاوت بها ميليشيات الجماعة وتلاشت مذعورة ومتبعثرة في عباب البحر الأحمر ورمال جنوب الساحل الغربي الذي قدمت إليه من جهتي الشمال والشرق دون مواجهةٍ يمكن أن تُحسب لها كإنجازٍ عسكري.

أما المفاجأة الأخرى بعد الالتفاف الخاطف حول ميناء ومطار بلدة ذوباب فتمثلت في التحول الذي بدأته "قوات العمالقة" الضاربة بالانتقال الفوري نحو جزيرة ميون الواقعة في قلب مضيق باب المندب جنوباً والتقدم المتسارع شمالاً باتجاه مدينة المخا الاستراتيجية الساحلية وعبرها إلى تأمين بقية مناطق الساحل في سياق عملية عسكرية كبرى هدفها النهائي، كما أعلن عن ذلك رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، هو استعادة العاصمة التاريخية لليمن الموحد صنعاء، وإليها ومنها الانطلاق في كل اتجاه لاستعادة الدولة الشرعية الوطنية وبسط سيادتها على كامل التراب اليمني.

في الساعات الأولى من اليوم ذاته تزامنت هذه العملية مع اشتعال جبهات أخرى لدحر ميليشيات الحوثيين من مواقع سيطرت عليها في بعض مدن وقرى ومرتفعات محافظة تعز بعد أن تيقن لديها أنه من دون هيمنتها على الجبال المطلة على باب المندب فإن وجودها في المضيق يظل مهدَداً وعرضةً للخطر، وسرعان ما أخذ مسلحو الميليشيات ينسحبون من تلك المواقع بشكل عشوائي بينما سقط العشرات منهم قتلى أو جرحى فيما وقع عشرات آخرون منهم أسرى بيد القوات الحكومية والمقاومة الشعبية والسكان في تلك القرى التي شرعت تُستعاد تباعاً وتنضم إلى بقية المناطق "المحررة" في الساحل الغربي.

وفي المقابل أيضاً اشتدت المعارك الطاحنة في جبهات جنوب وغرب محافظة مأرب شرقي البلاد. حيث حققت قوات الجيش الوطني أكثر من تقدم على مسلحي الحوثي خصوصاً على جبهة "الكسارة" وذلك وسط عمليات تمشيطٍ وملاحقة لعناصر الميليشيا في صحراء مأرب ومحافظة الجوف المجاورة.

وفي قلب هذا المشهد البانورامي كانت هناك عشرات الضربات الجوية التي أصابت الكثير من المواقع والأهداف العسكرية المهمة في محافظات يمنية عدة على رأسها صنعاء العاصمة التي عبّر الكثير من سكانها، كلٌّ بطريقته، عن استبشاره وتفاؤله ببدء عملية "الخلاص" لمدينتهم الجميلة من قبضة الحوثي حيث قال بعضهم إن "الحوثيين جعلوا من بعض أحيائها إما سجوناً ومعتقلات يزجون فيها بآلاف الأبرياء والمظلومين، ومن بينهم مئات النساء والأطفال، وإما مقابر لقتلاهم الذين غررت الميليشيات بأغلبهم إلى المهالك".

كما طالت الضربات المنسقة، بين سلاح الجو الحربي والطيران المسيّر اليمني ومقاتلات التحالف، مواقع للحوثيين في أنحاء محافظة صعدة التي تتخذ الجماعة من بعض كهوفها الجبلية معاقل محصنة تدير منها سلطتها الانقلابية في بقية محافظات البلاد الخاضعة لسيطرتها.


موقف الميليشيات

تعيش الميليشيا حالةً متوقعة من المكابرة والاستماتة الإعلامية والدعائية في الحفاظ على معنويات عناصرها عقب الانكسارات الحادة التي تتوالى عليها منذ انطلاق عملية "فجر اليمن"، فبينما ظل بعض قادة وصقور الجماعة يصر على نفي هزيمتها في جنوب البحر الأحمر والتأكيد على بقاء عناصرها في مواقعهم بباب المندب، فهي عجزت عن عرض أي صور حديثة تبرهن على ذلك، بل حاولت يائسة صرف الأنظار عما جرى في المضيق بتكثيف ادعاءاتها بسقوط مدنيين في الغارات التي تعرضت لها صنعاء، في مسعى كذلك لاستدرار التعاطف معها متناسيةً تورطها في قتل أو التسبب في قتل مئات الآلاف من اليمنيين أغلبهم من النساء والأطفال خلال سلسلة حروبها على الدولة والمجتمع منذ انقلابها على الإجماع الوطني يوم 21 سبتمبر/أيلول عام 2014 حتى اليوم.

ومن المتوقع أن تستمر جماعة الحوثيين في التعبير عن رد فعلها بأشكال متفاوتة، أي من خلال الاستمرار العبثي في إطلاق صواريخها الباليستية وطائراتها المسيّرة على الداخل اليمني أو الجوار السعودي حتى من دون أن ترجو نتيجة عملية من وراء ذلك غير الانتقام والتعبير عن غضبها وانفعالها وحفظاً على الأقل لماء وجهها أمام أنصارها.

وفي الوقت ذاته يرجح أن تستمر الجماعة في الدفع بأدواتها الناعمة وذبابها الإلكتروني لتعكير الفضاء العام بالمزيد من الشائعات المضللة وحتى الصور ومقاطع الفيديو المفبركة أو المولدة بالذكاء الاصطناعي مما لا يمكن لبعض العامة من الناس إدراك زيفه ومقاصده فلدى الجماعة خبرة متراكمة في مجال الدعاية والإعلام والحروب التعبوية المعنوية والنفسية.


كيف تنظر طهران إلى ما يجري؟

لا بد أن شعوراً عميقاً بالخيبة والإحباط يسود لدى قادة "الحرس الثوري" الإيراني الذين وقفوا بالأساس ومنذ أعوام خلف مخطط الاستيلاء على مضيق باب المندب والرهان عليه كهدفٍ استراتيجي وأيديولوجي أيضاً سعياً إلى استخدامه كورقةٍ رابحةٍ، إلى جانب مضيق هرمز، في الصراع القائم مع الولايات المتحدة، حيث سعت إيران بأن يؤدي تحكمها بمضيق باب المندب عبر وكلائها الحوثيين إلى رفع كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي لا سيما اقتصاد البلدان المطلة على البحر الأحمر الحليفة أو الصديقة للولايات المتحدة.


دعم دولي وإقليمي لمواجهة الحوثي

قبل أيام أو لنقل أسابيع على اندلاع عملية "فجر اليمن" كان المشهد واضحاً أمام الحوثيين وإيران ليدرك الطرفان المتحالفان ما يخطط لهما، لكنهما وقعا في ذات الخطأ عندما لم يريدا، عن عمدٍ، استيعاب ما ترمي إليه تحركات السعودية بين حلفائها القدامى والجدد لحشد الدعم والتأييد الخليجي فالعربي والإسلامي والدولي، بهدف إضفاء الشرعية القانونية على أي تحرك قد تقوم به في إطار القرارات الدولية الداعمة لحق اليمنيين في استعادة دولتهم بمؤازرة التحالف الذي تقوده الرياض، أو في إطار حق الأخيرة بموجب القانون الدولي في الدفاع عن نفسها، والحفاظ على سيادتها وسلامة أراضيها، حيث أعاد وزير الخارجيّة الأميركي ماركو روبيو، صباح عملية "فجر اليمن" تأكيد بلاده على ذلك بقوله إن "من حقّ السعودية الدفاع عن نفسها، بعد تعرّضها لهجمات من الحوثيين" معتبراً أن "ما يحدث حالياً في اليمن هو هجوم مضاد على اعتداءات الحوثيين، إذ تحاول القوات اليمنية استعادة الأراضي التي دخلها الحوثيون"، مشدداً على أن "الحكومة اليمنية والسعودية لن تقبلا بتحكّم الحوثي في باب المندب"، ومُؤكّدا في الوقت ذاته على أنّ واشنطن لديها اتّفاقيات والتزامات أمنية مع السعودية وستفي بها، كما قال.

تصريح الوزير الأميركي لم يكن الأول من نوعه، فقد كان هناك تعهد فرنسي بإرسال قوات وعتاد للدفاع الجوي لمساعدة السعودية في التصدي لهجمات الفصائل الشيعية العراقية من جهة الشمال وإعلان تحالف مكة استعداده لتفعيل اتفاق الرياض وأنقرة وإسلام آباد لنشر قوات للدفاع عن مناطق جنوب السعودية في وجه الهجمات الحوثية من جهة الجنوب، وقبل ذلك إطلاق التحالف البحري الدفاعي الذي يضم اكثر من 14 دولة بقيادة السعودية لضمان سلامة الطريق إلى الممرات المائية في المنطقة، غير أن الحوثيين تعاموا عن ذلك بإيعاز مؤكدٍ من قبل طهران. ولا بد أن الحوثيين يدفعون اليوم ثمن خطئهم في تعمد عدم قراءة هذا المشهد جيداً.


الطريق إلى صنعاء

رغم تأكيد القيادة السياسية والعسكرية اليمنية على أن تحرير صنعاء من هيمنة الحوثيين هو الهدف المركزي لعملية "فجر اليمن" التي أطلقتها صباح أمس بعد سلسلة من الإعلانات عن "التعبئة العامة والنفير الوطني" وفتح باب التطوع والعودة والتجنيد في صفوف القوات الحكومية، إلا أنه من المؤكد أن القيادة تعلم أن الطريق نحو العاصمة التاريخية لليمن الموحد لا يزال غير ممهدٍ بعد، وأن الزحف براً إلى صنعاء لا يزال بحاجة إلى بعض الوقت والجهد والتخطيط الجيد لضمان سلامة المدنيين.

تراهن القيادة مثل غيرها، ومنهم بعض المنشقين عن الحوثي أو الخارجين مؤخراً من عباءتها، على أن سقوط سلطة جماعة الحوثيين يمكن أن يحدث من داخلها قبل أي فعل يأتي من خارج أسوارها، خصوصاً إذا تمت استعادة موانئ الحديدة الثلاثة بالإضافة إلى ميناء (ميدي) وذلك لقطع ما أصبح يمثل أكثر من شريان حياة بين صنعاء وطهران بعد أن كان في بداية نشأة الجماعة مجرد حبال سرية خفية بين "الحرس الثوري" الإيراني وفرعه الحوثي في اليمن.


الخلاصة

بحسب محللين، بعد أن دارت عجلة العمل العسكري ضد الميليشيات فهي يجب أن لا تتوقف، وبما أن معاقل الحوثيين في صنعاء وصعدة أصبحت في مركز دائرة الاستهداف فلا ينبغي أن تنحرف أو تميل شوكة البوصلة عنهما، إذ يمكن لجحافل الميليشيات أن تتبعثر تلقائياً بمجرد توقف القلب الذي يغذيها بالسلاح والبارود وأيديولوجيا "الجهاد" حتى الموت باعتبار أن الموت هو "المستقبل" في نظر الولي الفقيه الجديد.


نقلاً عن (المجلة)