آخر تحديث :الإثنين-05 أكتوبر 2026-01:07ص
ملفات وتحقيقات

الحوثي و"شباب الصومال"... العقيدة تفرقهما والسلاح يجمعهما

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - 01:45 م بتوقيت عدن
الحوثي و"شباب الصومال"... العقيدة تفرقهما والسلاح يجمعهما
المصدر: (عدن الغد) محمد غرسان:

على ضفتي خليج عدن تقف جماعتان يصعب، للوهلة الأولى، جمعهما تحت سقف عقائدي واحد. في اليمن، نشأت جماعة الحوثي من بيئة زيدية في أقصى شمال البلاد، وفي الجهة الأخرى من البحر تتخذ حركة "شباب المجاهدين" من الفكر السلفي الجهادي مرجعية لها، وترتبط رسمياً بتنظيم القاعدة منذ إعلان البيعة عام 2012.

ويضع هذا الاختلاف الطرفين على طرفي نقيض عقائدياً، فالحوثيون ينتمون إلى بيئة زيدية شيعية، بينما تتبنى "الشباب" الفكر السلفي الجهادي الذي ينظر إلى المذاهب الشيعية بخصومة عقائدية، وهي جزء من شبكة "القاعدة" التي خاض فرعها في اليمن مواجهات دامية مع الحوثيين على مدى أعوام.

لكن المسافة الفكرية بينهما لم تمنع تقاطع المصالح، إذ تكشف تقارير أممية عن تعاون انتقل من شبكات تهريب السلاح إلى التدريب وتبادل الخبرات العسكرية، فيما منح موقع اليمن والصومال على جانبي خليج عدن العلاقة بعداً يتجاوز حدود البلدين.

وهذا النمط من التعاون برز أيضاً داخل اليمن، حيث رصد باحثون وتقارير أممية تعاوناً مصلحياً بين الحوثيين وتنظيم "القاعدة في جزيرة العرب"، على رغم تاريخ طويل من المواجهة والعداء المذهبي بينهما.

وفي قراءة لهذه المفارقة، يقول الباحث السياسي ومدير المرصد الإعلامي اليمني رماح الجبري في حديث سابق إلى إن الجماعات المسلحة، على رغم اختلافاتها الفكرية والمذهبية، تلتقي في الاستفادة من حال الفوضى والحرب وغياب سلطة القانون، ويرى أن التعاون بين الحوثيين و"الشباب" لم يعد مقتصراً على شبكات التهريب التقليدية، وإنما تطور إلى مستوى أكثر تنظيماً يشمل السلاح والخبرات والتدريب والمعلومات.

ويضيف أن هذا النوع من التعاون "لا يحتاج إلى تقارب مذهبي، بل تحكمه المصالح"، إذ يستطيع الحوثيون تقديم خبراتهم في الأسلحة والعبوات والطائرات المسيرة، فيما توفر "الشباب" مواقعها وشبكاتها على الساحل الصومالي.


من الشكوك إلى أدلة أممية

في تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة برز خلال الأعوام الأخيرة تطور في توصيف العلاقة، فمن تعاون وصف في مرحلة سابقة بأنه "تعاقدي أو انتهازي، وليس أيديولوجياً"، إلى حديث لاحق عن تكثف التعاون والتهريب بين الطرفين، ورؤية تتجاوز المنفعة التجارية وحدها إلى مساعي الحوثيين لتوسيع نفوذهم الإقليمي.

وفي تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن لعام 2025، تحدث الخبراء عن "زيادة في أنشطة التهريب والتعاون" بين الطرفين، مشيرين إلى أن عمليات ضبط أسلحة ومتفجرات أجرتها قوات الأمن الصومالية أظهرت انتقال أسلحة من اليمن إلى "الشباب".

وبحسب التقرير، أبلغت مصادر رسمية الفريق بتحقيق واسع يتعلق بنحو 70 صومالياً مرتبطين بالحركة يشتبه في ضلوعهم في تهريب الأسلحة من الحوثيين في اليمن إلى الصومال، فيما تحدثت مصادر سرية عن تدريب عناصر من "الشباب" داخل اليمن على تصنيع العبوات الناسفة المتطورة وتقنيات الطائرات المسيرة.

وذهب التقرير أبعد من ذلك، إذ أشار إلى أن "الشباب" تمتلك بالفعل معرفة باستخدام المسيرات في أغراض المراقبة، وتسعى بمساعدة الحوثيين إلى تطوير قدرات تمكنها من استخدامها في تنفيذ الهجمات.

وفي واحدة من أبرز الحالات التي راجعها خبراء الأمم المتحدة، قدم صومالي مرتبط بـ"الشباب" معلومات عن عمله وسيطاً بين الجانبين، وقال إن مهندسين عسكريين حوثيين انتقلا إلى مدينة جيليب، أحد أبرز معاقل الحركة في جنوب الصومال، وقدما تدريبات على تصنيع العبوات الناسفة وتعديل الطائرات المسيرة وصيانة الأسلحة.

وتحدث الرجل أيضاً عن تسهيل سفر ما يقارب 400 صومالي إلى مناطق خاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن لتلقي تدريبات عسكرية وعقائدية. وأوضح فريق الخبراء أن الأدلة التي عثر عليها بحوزة الوسيط عززت أجزاء من روايته، إلا أن بعض تفاصيل شبكة التعاون تعتمد على معلومات قدمتها مصادر رسمية وسرية، وهو ما يستوجب التمييز بين الوقائع التي تحقق منها الفريق مباشرة والمعلومات التي تلقاها من مصادره.

وتقدم قصة الصومالي جبريل يحيى علي المعروف بلقبي "غعمي" و"الأقطع" مثالاً آخر على طبيعة القنوات بين الطرفين. فبحسب معلومات أوردتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، عمل جبريل منذ عام 2023 حلقة وصل بين الحوثيين و"الشباب"، وكان يتنقل بين الصومال واليمن ويسهم في ترتيب صفقات السلاح، قبل مقتله في غارة أميركية في فبراير (شباط) 2026 استهدفت سيارته قرب مدينة الغيضة بمحافظة المهرة شرقي اليمن.

ووفق المعلومات ذاتها، وفر الحوثيون له شقة في صنعاء ووثائق سفر باسم مستعار، فيما أرسلت "الشباب" عام 2024 مبعوثاً آخر للعمل معه حمل قائمة بأسلحة تسعى الحركة إلى الحصول عليها، من بينها صواريخ مضادة للطائرات وأخرى مضادة للدبابات وبنادق قنص ومسيرات هجومية ومعدات للرؤية الليلية. وبعد مقتل جبريل، أفادت المعلومات بأن الحركة اختارت شخصاً آخر لمواصلة مهمته في اليمن، بما يشير إلى أن قناة الاتصال مستمرة ولم تكن مرتبطة بفرد واحد.


ماذا يريد الحوثي من الصومال؟

الجغرافيا تقدم جزءاً كبيراً من الإجابة. فلا يفصل الساحل اليمني عن القرن الأفريقي سوى خليج عدن وباب المندب، فيما تمتد على جانبيه شبكة قديمة من طرق التجارة والهجرة والتهريب.

وبالنسبة إلى الحوثيين، توفر الضفة الأفريقية عمقاً إضافياً لشبكات الإمداد، خصوصاً في ظل الرقابة والاعتراضات البحرية لشحنات الأسلحة المتجهة إلى اليمن.

وكشف فريق الخبراء الأممي عن مسارات تهريب تمر عبر مواقع ساحلية صومالية، بينها قندلا وعلولا ورأس عسير ومناطق أخرى، قبل انتقال الشحنات بواسطة قوارب صغيرة. والأهم أن الحركة ليست في اتجاه واحد، فبحسب التقرير تستخدم الأراضي والمياه الصومالية أيضاً محطة عبور لمكونات وشحنات متجهة إلى الحوثيين في اليمن.

وتتضح أهمية الضفة الأفريقية بصورة أكبر في مسارات الإمداد القادمة من المحيط الهندي، إذ يشير مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن شبكات مقاتلي "الشباب" والمتعاطفين معها والمهربين في الصومال وشمال كينيا تمنح الحوثيين فرصاً أوسع لتمرير شحنات الأسلحة إلى قوارب ساحلية أو نقلها براً إلى خليج عدن، ومنها إلى السواحل اليمنية.

ويرى تحليل نشره مركز مكافحة الإرهاب في "ويست بوينت" أن هذه الشبكة تحقق منافع متبادلة، إذ تحصل "الشباب" على الأسلحة والخبرات وإمكان الوصول إلى تقنيات أعلى، بينما يستفيد الحوثيون من شبكات التهريب والنقل وتأمين الشحنات في القرن الأفريقي وتنويع طرق وصول مكونات برامج الصواريخ والطائرات المسيرة.

ويضيف الجبري بعداً آخر إلى هذه المصالح، إذ يرى أن الحوثيين يسعون من خلال امتدادهم إلى الضفة الأفريقية إلى الحصول على إمكانات استخباراتية تساعدهم في مراقبة حركة السفن، مشيراً إلى معلومات عن مساع لنشر معدات مراقبة على الجانب الأفريقي، وهي تقديرات لم تتوافر أدلة علنية مستقلة تثبت جميع تفاصيلها حتى الآن.


ماذا تريد "الشباب"؟

بالنسبة إلى الحركة الصومالية، تبدو المعادلة أكثر عسكرية. فـ"الشباب" تمتلك خبرة طويلة في تصنيع العبوات الناسفة، وتدير شبكات لتهريب الأسلحة، لكنها واجهت صعوبة في الوصول إلى أسلحة وتقنيات أكثر تطوراً، وهو ما يمنح التعاون مع الحوثيين أهمية خاصة بالنسبة إليها.

ويشير مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية إلى أن العلاقة تتيح للحركة الحصول على أسلحة وتدريب أكثر تقدماً، بما في ذلك تقنيات مرتبطة بالطائرات المسيرة. وكانت "الشباب" تستخدم المسيرات منذ أعوام في جمع المعلومات والاستطلاع، فيما يفتح نقل الخبرة التقنية إليها الباب أمام تطوير استخدامها لأغراض هجومية.

وتكشف تقارير أممية عن جانب آخر للمقايضة المحتملة بين الطرفين. فبحسب معلومات قدمتها دولة عضو إلى فريق خبراء الأمم المتحدة، طلبت "الشباب" أسلحة متطورة وتدريباً من الحوثيين، في مقابل زيادة أنشطة القرصنة في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية واستهداف سفن الشحن وتعطيل حركتها والحصول على الفدى. وتظل هذه المعلومات منسوبة إلى الدولة العضو التي قدمتها إلى الفريق.

أما القيادة الأميركية في أفريقيا "أفريكوم"، فحذرت في تقييمها لعام 2025 من مؤشرات التعاون بين الحوثيين والحركة، معتبرة أن حصول الحوثيين على موطئ قدم أكبر في شرق أفريقيا يمكن أن يرفع مستوى التهديد للملاحة والتجارة الدولية.


من باب المندب إلى المحيط

يرى رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات الاستراتيجية فارس البيل أن أهمية العلاقة تتجاوز صفقات السلاح إلى ما تمنحه للطرفين من مساحة جغرافية أوسع، معتبراً أن التنسيق بين الحوثيين و"الشباب" ليس وليد التطورات الأخيرة.

ويقول البيل إن مركزه رصد منذ مطلع عام 2024 "بعض التحركات والانتقالات وعمليات التنسيق بين الجهتين"، ويرى أن التعاون مع "شباب الصومال" يوسع نطاق الحركة من باب المندب إلى الساحل الصومالي وبحر العرب والمحيط الهندي، ويوفر شبكات تهريب ومساحة عمليات أكبر.

ويربط البيل هذا الامتداد بعودة نشاط القرصنة قبالة القرن الأفريقي، محذراً من أن تزامن شبكات القرصنة والتهريب على إحدى ضفتي خليج عدن مع القدرات الصاروخية والمسيرة للحوثيين على الضفة الأخرى يمكن أن يضيف تحدياً أمنياً للملاحة الدولية.

وفي تقديره، يمكن أن تتداخل أدوات تمتد من القرصنة والتهريب إلى المسيرات والاستطلاع والاستهداف البحري عبر مساحة تشمل البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، فيما يربط البيل هذا المشهد باستراتيجية إيرانية أوسع تهدف، وفق قراءته، إلى توسيع نطاق الضغط على طرق الملاحة وصولاً إلى القرن الأفريقي والمحيط الهندي.


نقلاً عن (اندبندنت)