في ذاكرة عدن رجالٌ لم تصنع شهرتهم الأضواء، بل صنعتها الأعمال التي بقيت شاهدة عليهم في المكان والزمان. ومن بين هؤلاء يبرز اسم المهندس العدني سعيد بن سعيد مقبل خليدي، أحد أبناء جيلٍ حمل العلم إلى وطنه، وانخرط في مشروع البناء والتحديث، وترك خلفه إرثاً هندسياً ومعمارياً ارتبط بعدد من المنشآت والمرافق المهمة في عدن وخارجها.
وُلد سعيد خليدي في التواهي بمدينة عدن في 24 أغسطس 1938م، ونشأ في بيئة عدنية كان العلم والانضباط والعمل فيها طريقاً لصناعة المستقبل. ومنذ سنوات شبابه الأولى اتجه إلى التعليم الفني، فالتحق بما كان يُعرف آنذاك بـ Technical Institute، وحقق تفوقاً لافتاً مكّنه من الحصول على الشهادة العامة G.C.E بامتياز، ليكون من بين الشباب العدنيين الذين برزوا مبكراً في ميادين التعليم التخصصي.
ولأن تفوقه كان لافتاً، أُوفد إلى الخارج لاستكمال دراسته، وهناك خاض تجربة الغربة بكل ما حملته من مشقة وتحديات، قبل أن يحقق هدفه الأكاديمي بالتخرج في جامعة لندن عام 1967م حاملاً شهادة البكالوريوس في الهندسة المعمارية.
عاد إلى عدن في مرحلة تاريخية دقيقة، بالتزامن مع الاستقلال الوطني، حاملاً معه حصيلة علمية اكتسبها في واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية البريطانية. ولم يكن عودته مجرد عودة خريج إلى مدينته، بل بداية لمسيرة مهنية امتدت لعقود، وضع خلالها خبرته في خدمة مؤسسات ومشروعات ارتبطت بالبنية التحتية والعمران والمرافق الحيوية.
بدأ مشواره المهني كبيراً للمهندسين في ميناء عدن، ثم تولى إدارة شركة أحواض السفن والحوض العائم، وهي مسؤوليات كبيرة حملها في سن مبكرة، قبل أن تتسع دائرة خبراته ومهامه لتشمل عدداً من المؤسسات والمنشآت الحيوية.
وكان لخليدي حضور في عدد من المشروعات المعمارية والهندسية المهمة في عدن؛ فقد ارتبط اسمه بأعمال بريد عدن العتيق في كريتر، كما شارك في تصميم وإشراف وتنفيذ أعمال في مباني ومكاتب مؤسسة الاتصالات في التواهي، المعروفة في فترات سابقة بمبنى Cable & Wireless.
ومن المحطات اللافتة في مسيرته أيضاً مشاركته في بناء إذاعة عدن القديمة في التواهي، وهي الإذاعة التي ارتبطت بتاريخ عدن الإعلامي والثقافي منذ تأسيسها في خمسينيات القرن الماضي، لتصبح جزءاً من ذاكرة المدينة ووجدان أجيال متعاقبة.
وامتدت خبرته المهنية إلى خارج عدن، فتولى إدارة ميناء خلف في المكلا، كما عمل مستشاراً في مجالات مرتبطة بالاتصالات والكهرباء والمحطة الكهروحرارية، مستفيداً من خبرته الهندسية والإدارية المتراكمة.
ولم تقتصر أعماله على المنشآت الكبرى، إذ شارك كذلك في تصميم وتشييد عدد من المدارس التابعة للقطاعين العام والخاص، الأمر الذي جعل أثره ممتداً إلى قطاعات مختلفة من الحياة العامة، من الموانئ والاتصالات والطاقة إلى التعليم والعمران.
وخلال مسيرته الطويلة، عمل مع عدد من المقاولين والمهندسين والعاملين في قطاع البناء والتشييد، كما تعاون مع جهات ومنظمات دولية في مجالات هندسية ومعمارية مختلفة، مستفيداً من خبرته المهنية التي راكمها منذ عودته إلى عدن عقب تخرجه.
لم تكن حياة سعيد خليدي المهنية مجرد مناصب وأعمال هندسية؛ فقد كان، بحسب شهادة أسرته ومعارفه، رجلاً شديد التواضع، قريباً من الناس، محباً للخير، حريصاً على غرس قيم العلم والأخلاق والانضباط في أبنائه.
كوّن أسرة من سبعة أبناء؛ ابنين وخمس بنات، توفيت إحداهن، وكان التعليم بالنسبة إليه إرثاً ينبغي أن ينتقل إلى أبنائه قبل أن يكون شهادة معلقة على جدار. ومن بين أبنائه المهندس والفنان والأديب والناقد الذي أصبح من كبار مثقفي وفناني عدن وبالوطن كله الأ وهو الفنان المتألق عصام خليدي والإبن الثاني الطيار محمد خليدي، فيما حصل بقية الأبناء على تعليم جامعي، ليواصلوا جانباً من الرسالة التي آمن بها والدهم طوال حياته: أن العلم هو الاستثمار الأبقى للإنسان.
وقد ترك في أبنائه، كما تروي الأسرة، إرثاً يتجاوز الشهادات والمناصب؛ إرثاً من التواضع، ونكران الذات، واحترام الناس، وحب العمل، والتمسك بالقيم.
ورغم ما حملته مسيرته من عطاء، انتهت سنواته الأخيرة بعيداً عن عدن التي أحبها، إذ عاش في مدينة شفيلد البريطانية، حيث توفي فجر يوم الجمعة 22 مارس 2024م، الموافق الثاني من رمضان، عن عمر ناهز 86 عاماً.
رحل سعيد خليدي في الغربة، لكن أعماله بقيت في المكان الذي أحب؛ في شوارع عدن ومبانيها ومرافقها، وفي ذاكرة من عرفوه، وفي أسرة حملت عنه العلم والقيم كما حمل هو عن جيله مسؤولية البناء.
لم يكن سعيد خليدي مجرد مهندس حمل شهادة من جامعة لندن؛ كان واحداً من أبناء عدن الذين عادوا من مقاعد الجامعات إلى ميادين العمل، ووضعوا ما تعلموه في خدمة مدينة كانت تتطلع إلى المستقبل.
رحم الله المهندس سعيد خليدي، الذي غاب جسداً عن عدن، وبقيت بصماته الهندسية شاهدة على رجلٍ آمن بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء الإنسان، وأن أجمل ما يتركه المرء خلفه هو أثرٌ ينتفع به الناس.
#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة