آخر تحديث :الخميس-01 أكتوبر 2026-04:54م
أخبار وتقارير

طير مالك؟ والبكا... خلي البكا لي

الخميس - 01 أكتوبر 2026 - 03:40 م بتوقيت عدن
طير مالك؟ والبكا... خلي البكا لي
المصدر: (عدن الغد) خاص:


منذ خمس سنوات وأكثر، وأنا لا أسمع ذاك الصوت الذي أكلتُ قلب صاحبه (الصُنين) وقد أضافوه للبين فقالوا (غُراب البين) وظلموه لغويا وإعلاميا وأخرجوه من جنس الطيور، وأنا مخرجه ظالما له من مقالي هذا (ابن بريح) رغم شوقي له


في المخيلة الشعبية (غنينا مع الطيور) وفي اغانينا أكثر من طائر يحلق في الأعالي؛ مصاحبا للغريب، ورفيقا للعاشق، حاملا للرسائل، وشاهدا على الفراق، وأحيانا، في لحظة صفاء نادرة، صورة أخرى للإنسان حين يتمنى أن يتحرر من ثقل الأرض.


ولذلك حين تقول الأغنية اليمنية:


طير مالك؟ والبكا... خلي البكا لي


فإنها لا تسأل الطير عن بكائه بقدر ما تسأل نفسها عن الحزن الذي توزع بين الكائنات. كأن أيوب طارش رأى في ارتجاف جناحيه ما يعرفه هو من رجفة القلب، ثم استكثر عليه أن ينافسه في الحزن، فقال له: دع البكاء لي؛ فأنا أعرف من الشجن ما يكفيني.


ومن الطير الحزين إلى (طائر امغرب): ذي وجهت سنا التهائم


تتسع السماء فجأة، ويصبح اتجاه الطيران ذاكرة جغرافية. فاليمن في أغانيه لا يُرى بوصفه خارطة صامتة، وإنما بوصفه جهاتٍ مشحونة بالحنين: تهامة، صنعاء، عدن، الوادي، القرية، والبلاد التي يسكنها الغائبون أكثر مما يسكنها الحاضرون. والطائر، في هذه الجغرافيا العاطفية، هو الكائن الوحيد الذي لا يحتاج إلى طريق؛ يكفيه أن يفرد جناحيه. ويردد مع الزيدي ( أعطني ياطير من ريشك جناح)


ولذلك لم يكن عجيبا أن يقول العاشق مع بلفقيه:


(شلني يا بو جناحين إلى عند المحب


ولو في الشهر ليلة)


يا لها من صورة بسيطة وعميقة! إن العاشق لا يطلب من الطير أن يهبط بالقمر، ولا أن يغير مجرى القدر؛ كل ما يريده أن يستعير جناحيه قليلا. ليلة واحدة تكفي كي ينتصر القلب على المسافة. يصبح الجناح، في المخيلة الغنائية اليمنية، صورة مضادة لكل ما يثقل الإنسان: البعد، والغربة، والانتظار.


على الرغم أنى اكثر من مرة (جنحت وجناحي حديد لاريش) ولله الحمد والمنة، وياطير قصوا جناحك!


ولعل أجمل ما صنعته الأغنية اليمنية بالطير أنها منحته وظيفة الرسول. ففي النداء الشهير:


"يا طير يا ناشر بضوء باكر


أوحشت بالفرقة غصون الأشجار"


لا يبقى الطير في ملك الطبيعة، بل يدخل في ملك الإنسان وذاكرته. ثم تأتي المناشدة من الآنسي:


فإن كنت إلى صنعا اليمن مسافر


فبالنبي والصالحين الأخيار


أن تبلغ الأحباب سلام عاطر"


هنا يصبح الطير بريدا سماويا، يحمل ما عجزت الطرق عن حمله، ويقطع في جناحيه المسافة بين الغياب والحضور. إنه لا يحمل رسالة فحسب؛ يحمل سلاما، واشتياقا، وشيئا من رائحة الذين تركهم المغني خلفه.


وفي موضع آخر تتجسد هذه الوساطة بصورة أكثر وضوحا:


قال المعنى أمانة ما تسير يا طير


حقق لأحبابنا كيف حالة المضنى


ثم:

والآن شل الكتاب هذا معك يا طير


واشرح لهم حالتي


كأن الطير هنا ليس إلا أمينا على سر القلب. الكتاب في جناحيه، والحالة في الكتاب، والقلب في الحالة. ثلاث طبقات من الغياب تتعانق حتى تصل إلى الغائبين.


لكن الطير لا يظل أسير الحنين الفردي؛ ففي "بالله عليك يا طير يا طير يا رمادي" يتحول الجناح إلى رغبة في استعادة الوطن:


"تفرد جناح يا طير تردني بلادي"


وتبلغ صورة الطير ذروة أخرى؛ فالوطن لم يعد مكانا على الخريطة، وإنما صار جهة في القلب. والطيران إليه ليس رحلة في الفضاء، بل عودة إلى الذات الأولى، إلى القرية، إلى الذاكرة، إلى المكان الذي ظل حاضرا حتى حين غاب صاحبه عنه.


أما في:


طير من وادي تبن


حط في قلبي وسكن


فإن المسافة تنقلب على نفسها. الطير الذي كان يرحل في السماء يهبط هذه المرة إلى القلب. لم يعد رسولا إلى الخارج، بل أصبح مقيما في الداخل. وما كان طائرا في الوادي صار ذكرى في الوجدان.


وهكذا تتوالى صور الطير في الأغنية اليمنية كما تتوالى حالات الإنسان نفسه: طيرٌ يبكي، وطيرٌ يُبكى إليه، وطيرٌ يحمل السلام، وطيرٌ يحمل الكتاب، وطيرٌ يحمل صاحبه إلى المحبوب، وطيرٌ يرد الغريب إلى البلاد، وطيرٌ يهبط من الوادي ليستقر في القلب.


ولعل سر هذه المكانة أن الطير، في المخيلة اليمنية، يجمع نقيضين لا يجتمعان في الإنسان بسهولة: الرحيل والعودة. فهو يرحل ولا يضيع، ويغيب ولا ينقطع، ويبتعد دون أن تفقده السماء. أما الإنسان، فيظل مشدودا إلى الأرض، كلما أراد أن يلحق بقلبه وجد بينه وبين المحبوب مسافة.


لهذا، كلما ضاقت العبارة، اتسعت السماء في الأغنية، وكلما عجز العاشق عن الوصول، رفع صوته ونادى:


يا طير...


ومن هذه النداء الصغير تبدأ حكاية كبيرة؛ حكاية الإنسان اليمني مع الحب والغربة والوطن والذاكرة. فالطير في الأغنية ليس طائرا وحسب، وإنما جناحٌ استعاره الإنسان من السماء ليحمل به قلبه. وهو ناقل لتلك الصرخة التي تحترق في الصدر؛ شاهد على دار نزلت بها المآسي، وعلى أب يطوف المشارق والمغارب، يحمل هم أبنائه، ويبحث لهم عن شربة ماء أو لقمة عيش، بعدما غدت الحرب أكولة للأحلام، تلتهم من العمر ما لا تسترده الأيام.


وحتى في النداء الشعبي الساخر، الشفيف، مثل: "زينب طيري... اجلسي وإلا سيري"، تظل صورة الطيران أبعد من حركة الجسد؛ إنها نداء للروح، بين أن تحلق خارج أسرها أو تستكين في قفص الكينونة. فالفعل هنا لا يصف حركة طائر بقدر ما يستدعي حرية كامنة في الإنسان، تلك الحرية التي تظل معلقة بين رغبة في الانعتاق وإكراهات المقام.


"أول ما صرت الى وحدانيته، فصرت طيرا جسمه من الأحدية، وجناحاه من الديمومة، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين، حتى صرت الى الهواء مثل ذلك مئة ألف الف مرة، فلم أزل أطير الى أن صرت في ميدان الأزلية، فرأيت شجرة الأحدية ... فنظرت فعلمت ان هذا كله خدعة" من كتاب منطق الطير.


مجيب الرحمن الوصابي