شطر بيتٍ من الشعر أنا مفتونٌ به حدّ الطرب، وأرشحه أنموذج لدرس في البلاغة العربية، فليس كلًّ شعر يُقرأ؛ بعض الشعر يُسمع أولا وهذا هو الأصل عندي، ثم لا يلبث أن يستقر في النفس قبل أن يجد القارئ له تفسيرا. وقد يكون أجمل ما في القصيدة أن تفاجئك من أوّل كلمة، وأن تقول لك قبل أن تروي حكايتها: أنصت، فإن وراء هذه الكلمات شيئا يستحق أن يُصغى إليه.
كنتُ في المدرسة السليمانية وسط العاصمة التونسية، أستمع إلى شاعر يمني يحمل وطنه معه أينما ذهب، حين انطلق صوته بهذا الشطر:
شِعْرِي لَمِنْ نَفَسِ الرَّحِيمِ تَنَفَّسَا
ولم أكد أسمعه حتى شعرت أن القصيدة قد قالت سرَّها قبل أن تبدأ.
ذلك أن الشاعر لم يقل لنا في أوّل كلامه إنه سيحدثنا عن اليمن، ولم يبدأ بوصف الحرب، ولا بالحنين إلى الأرض، ولا بتعداد أمجاد الأجداد؛ بل بدأ من مكان أعمق: من الشعر نفسه. جعل شعره تنفسا، وجعل لهذا التنفس نَفَسا يأتيه من (الرحيم). فما الشعر، في هذه العبارة، إلا حياة تتجدد، ونَفَسٌ يبحث عن صدر يتسع له.
وهنا، لروعة الكلمة حين تكون في موضعها، نجد لفظة واحدة مثل (تنفّسا) تفتح في القصيدة أبوابا لا يكاد يحصيها التأويل. فالتنفس حياة، ولكنه كذلك فرج بعد اختناق؛ وهو حركة الصدر حين تضيق به الدنيا ثم يجد لها منفذا. وإذا كان الشاعر سيتحدث بعد ذلك عن وطن أثقلته الحرب، وعن أرض كانت تسمى (السعيدة) ثم نالها من الشقاء ما نالها، فإننا نستطيع أن نفهم لماذا اختار التنفس دون غيره.
ثم إن الشاعر لم يقل: شعري من فضل الرحيم، ولا من عطاء الرحيم، وإنما قال: (من نفس الرحيم). ولا أريد أن أحمل العبارة ما لا تحتمل، ولكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الإصغاء إلى ما تستدعيه هذه الكلمات في ذاكرة العربي؛ ففيها ظلّ من قوله تعالى:
﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾
وفيها صدى الحديث المشهور:
(الإيمان يمان، والحكمة يمانية، وأجد نفس الرحمن من قبل اليمن).
وما أعجب هذا التلاقي الفني! فالشاعر يمني، والقصيدة يمنية الوجع، ثم يأتي لفظ (النَّفَس) في موضع يجعل القارئ قادرا على أن يرى اليمن نفسها كأنها تبحث عن نَفَس.
وقد ذهب بعض الشُّرّاح في تفسير (نَفَس الرحمن) إلى معنى الفرج والتفريج؛ وعلى هذا التأويل يمكن أن يزداد البيت اتساعا: فشعر الشاعر ليس مجرد تعبير عن الألم، بل هو أيضا بحث عن متنفس، ومحاولة لاستعادة شيء من الأمل وسط واقع مثقل بالوجع. وليس من الضروري أن نجزم بأن هذا هو قصد الشاعر، وإنما يكفي أن النص يتيح هذا الأفق من القراءة.
النَّفَس الذي يتحول إلى شعر
لعل أجمل ما في البيت أن الشاعر جمع بين (نَفَس) و (تَنَفُّس) ، وهما من جذر واحد، فأقام بينهما صلة لفظية ودلالية عميقة.
هناك نَفَس، وهناك تَنَفُّس؛ هناك شيء يصل إلى الشاعر، وهناك فعل يصدر عنه. وكأن المعنى يقول: يصلني النَّفَس، فأحوّله شعرا؛ يصلني الألم، فأحوّله قصيدة؛ يصلني الوطن مثقلا بالجراح، فأعيده إلى الحياة بالكلمة.
وهذه ليست مجرد محاسنة لفظية؛ فالاشتقاق هنا يؤدي وظيفة دلالية، إذ يربط المصدر بالفعل، والمنبع بالأثر، والعطاء بالإبداع.
فالشعر عند محمود أبوبكر ليس صناعة لفظية منفصلة عن الحياة، وإنما هو فعل وجودي. كما أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من غير تنفس، فإن الشاعر لا يستطيع أن يعيش تجربته من غير أن يحولها إلى شعر.
ومن هنا تصبح عبارة:
(شعري... تنفسا)
استعارة مركزية في بناء القصيدة؛ إذ جعل الشاعر الشعر كائنا حيا يتنفس. والشعر هنا لا (يقال) فقط، بل يتنفس.
وهذا الانتقال من المجال المجرد، وهو الشعر، إلى المجال الحسي، وهو التنفس، يمنح الصورة حياة وحركة. وكأن القصيدة حين تخرج من الشاعر لا تخرج ألفاظا جامدة، وإنما تخرج أنفاسا حية.
(الرحيم) ودلالة الاختيار
وليس اختيار كلمة (الرحيم) عابرا في هذا السياق.
فالشاعر كان يستطيع أن يقول: من نفس الرحمن، لكنه قال: (من نفس الرحيم). واللفظ يستدعي، بطبيعته، سياق البسملة:
﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
ويفتح في الوقت نفسه فضاء من المعاني المتصلة بالرحمة واللطف والعناية والفرج.
وهذه الدلالة تتلاءم مع التجربة العامة للقصيدة؛ فالشاعر لا يتحدث عن وطن مزدهر مطمئن، وإنما عن وطن جريح، يبحث أبناؤه عن فسحة في زمن ضاق فيه كل شيء.
إن كلمة (الرحيم) هنا تجعل التنفس فعلا يتصل بالرحمة؛ وكأن الشعر، في لحظة الألم، محاولة لاستدعاء الرحمة إلى فضاء الوطن.
من الصبح إلى الشعر
ومن أجمل ما يتيحه لفظ (التنفس) من أفق تناصي قوله تعالى:
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾
فالقرآن يجعل الصبح يتنفس، والشاعر يجعل الشعر يتنفس.
وهنا تتولد صورة شديدة الجمال: الصبح يتنفس بعد الظلام، والشعر يتنفس بعد الألم.
والصبح في الوعي الإنساني رمز لبداية جديدة، والتنفس خروج من الاختناق، والشعر عند الشاعر مخرج من ثقل التجربة. ومن ثم فإن اللفظة الواحدة تلتقي فيها دلالات الحياة والانبعاث والانفراج.
من الشعر إلى الوطن
والأهم من ذلك أن الشاعر لم يبدأ باليمن مباشرة، وإنما بدأ بالشعر، ثم أخذ ينتقل منه إلى ذاته، ومن ذاته إلى وطنه.
يقول:
شِعْرِي لَمِنْ نَفَسِ الرَّحِيمِ تَنَفُّسَا
وَمِنَ الأَصَالَةِ وَالْبَيَانِ تَأَسَّسَا
ثم يقول:
أَوَلَسْتُ مِنْ أَصْلِ الْعُرُوبَةِ مَنْبَعِي
وَوُسِمْتُ لِلْيَمَنِ السَّعِيدِ مُجَنَّسَا
ثم ينتقل إلى:
كَيْنُونَتِي مِنْ بَطْنِ حِمْيَرَ مِنْ سَبَا
ثم إلى أمجاد اليمن القديمة، قبل أن يضعنا فجأة أمام اليمن المعاصرة:
لَكِنْ مَعَ أَسَفِي تَبَدَّلَ حَالُهَا
غَطَّى ضُحَاهَا دَامِسٌ قَدْ حَنْدَسَا
فتتسع دائرة المطلع شيئا فشيئا:
الشعر ← الشاعر ← الهوية ← اليمن ← جرح اليمن.
وهذا التدرج من عناصر جمال البناء؛ لأن الشاعر لا يلقي علينا القضية الوطنية إلقاء مباشرا، بل يجعلنا نصل إليها معه خطوة خطوة.
براعة الاستهلال: حين يدل الأول على الآخر
وهنا يحضر ذلك المبدأ البلاغي القديم الذي يقول إن براعة الاستهلال تكون حين يدل أول الكلام على غرضه، ويكون أوله ملخصا لآخره.
وقد جاء في بعض كتب البلاغة أن الشاعر إذا ابتدأ قصيدة مدحا أو ذمّا أو فخرا أو وصفا، ينبغي أن يفتتحها بما يدل على غرضه، وأن يكون ابتداء كلامه دالا على انتهائه.
وتذكرتُ هذا المبدأ وأنا أستمع إلى قصيدة محمود أبوبكر؛ فقد بدا لي أن المطلع قد استوفى شرطا أصيلا من شروط براعة الاستهلال: أن يكون مفتاحا للنص، وأن يختزل غرضه العام، ويهيئ المتلقي لما سيأتي بعده.
فمنذ:
شِعْرِي لَمِنْ نَفَسِ الرَّحِيمِ تَنَفُّسَا
نعرف أن الشاعر لن يتحدث عن وطنه حديث المؤرخ البارد، وإنما سيتحدث عنه حديث من يتنفسه.
الإيجاز: كثير المعاني في قليل الألفاظ
وهنا تظهر قيمة الإيجاز بوصفه أحد أركان البلاغة العربية.
فقد سأل معاوية بن أبي سفيان صحار بن عياش العبدي:
(ما تعدون البلاغة فيكم؟)
فقال: (الإيجاز).
ونجد المعنى نفسه عند ابن المقفع، فيما نقله الجاحظ، من أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته وغرضه.
ويقول الجاحظ في معنى الإيجاز: إنه قلة عدد اللفظ مع كثرة المعاني، ويقول أيضا: (أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره).
وهذا بعينه ما نراه في مطلع محمود أبوبكر.
فكم من المعاني اجتمعت في كلمات قليلة:
الشعر، والنفس، والرحمة، والحياة، والانفراج، والوطن، والألم، والأمل.
ولهذا فإن البيت لا يؤدي وظيفة افتتاحية فحسب، وإنما يؤدي وظيفة تأويلية أيضا؛ إذ يضع في يد القارئ مفتاحا يستطيع به أن يقرأ بقية القصيدة.
الموسيقى الداخلية للبيت
ولا تقف جماليات البيت عند المعنى، وإنما تمتد إلى الصوت.
تأمل:
نَفَس ــ تَنَفُّس
إن الأذن تسمع صلة الكلمات قبل أن يتدخل العقل في تفسيرها. وتكرار الأصوات، ولا سيما النون والفاء والسين، يخلق موسيقى داخلية تنسجم مع موضوع البيت نفسه.
ثم إن امتداد الصوت في نهاية (تَنَفَّسَا) يمنح الكلمة شيئا من الامتداد، وكأن اللفظ نفسه يحاكي الفعل الذي يدل عليه.
وهذه واحدة من خصائص الشعر الحقيقي: أن تتعاون الدلالة والصوت، فلا تكون الكلمة جميلة في معناها فقط، بل في جرسها أيضا.
بين (النَّفَس) و(الوجع)
وحين نمضي في القصيدة نجد أن المطلع لم يكن زينة لفظية، بل كان يحمل في داخله نواة التجربة كلها.
يقول الشاعر:
فَحَمَلْتُ مِنْ هَمِّ السَّعِيدَةِ مَا نَأَتْ
عَنْ حَمْلِهِ صُمُّ الْجِبَالِ تَوَجُّسَا
فإذا كان الشعر تنفسا، فإن هذا البيت يجيب عن السؤال: لماذا يحتاج الشاعر إلى التنفس؟
لأنه يحمل همّا أثقل من أن تحمله الجبال.
ثم يقول:
سَأَظَلُّ أَذْكُرُ حَالَهَا مُسْتَنْهِضا
هِمَما بِمَنْ هُمْ يَصْمُتُونَ تَحَسُّسَا
فالشعر ليس تنفيسا شخصيا فحسب؛ إنه يتحول إلى فعل تذكير واستنهاض.
ويقول:
وَأَظَلُّ أَنْشُدُ مَجْدَهَا وَرُقِيَّهَا
فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَلَنْ أَمَلَّ وَأَيْأَسَا
فتكتمل الدائرة: الشعر يبدأ تنفسا، ثم يتحول إلى ذاكرة، ثم إلى موقف، ثم إلى أمل.
من اليمن إلى تونس: الوطن المحمول في القلب
ولعل أجمل ما في القصيدة أنها لا تجعل خروج الشاعر من اليمن انقطاعا عنها.
يقول:
وَدَّعْتُهَا وَحَنِينُهَا فِي أَضْلُعِي
وَهَوَاجِسِي فِي كُلِّ صُبْحٍ أَوْ مَسَا
ثم يقول:
وَلِقِبْلَةِ الْعُلَمَاءِ تُونِسَ وَالْهَوَى
يَمَّمْتُ وَجْهِيَ قَاصِدا كَيْ أَدْرُسَا
ثم:
مُتَأَبِّطا هَمِّي وَهَمَّ سَعِيدَتِي
وَبِتُونِسَ الْخَضْرَاءِ أَنَخْتُ لِتُؤْنِسَا
وهنا تظهر مفارقة جميلة: خرج الشاعر من اليمن طلبا للعلم، لكنه لم يخرج من اليمن وجدانيا.
لقد ترك أرضه، لكنه حملها في أضلعه.
ولذلك فإن تونس لا تظهر في القصيدة بوصفها بديلا عن اليمن، وإنما بوصفها فضاء للعلم والأنس والاستمرار.
ومن هنا يقول:
وَأَتَيْتُ أَقْطِفُ مِنْ جَنَى أُدَبَائِهَا
مُتَنَسِّما آثَارَهُمْ مُتَلَمِّسَا
وتعود كلمة (متنسما) لتستدعي مرة أخرى حقل التنفس والنسمات والنَّفَس، فيستمر الخيط الدلالي الذي بدأ به المطلع.
القصيدة كلها في مطلعها
عند البلاغيين القدماء أن خير الشعر ما قام بنفسه، وكمل معناه في بيته، واستغنى بعضه عن بعضه.
وهكذا يبدو لي شطر محمود أبوبكر مستغنيا، من حيث الدلالة، عن كثير مما ستقوله القصيدة بعده؛ فقد كان مفتاحا لها، واختزالا لمعناها العام، وجامعا لمقامها وسياقها.
فالشعر تنفّس، والتنفس حياة، والحياة وطن، والوطن في هذه القصيدة اليمن.
ولذلك فإن أجمل ما في هذا المطلع أنه لا يخبرنا بما ستقوله القصيدة فحسب، وإنما يجعلنا نشعر به قبل أن تقوله.
وهذه هي المسافة الدقيقة بين الشعر الذي يصف، والشعر الذي يُشعر.
فلنقرأ القصيدة بعد ذلك، ولننظر كيف أخذ الشاعر يفكك في أبياتها ما أجمله في مطلعها، وكيف انتقل من (نَفَس الرحيم) إلى (همّ السعيدة)، ومن اليمن الجريحة إلى تونس الخضراء، ومن وجع الغياب إلى أمل العودة، حتى كأن القصيدة كلها لم تكن إلا تنفسا طويلا خرج من صدر شاعر حمل وطنه معه، وحاول أن يمنحه بالكلمة حياة أخرى.
القصيدة
شِعْرِي لَمِنْ نَفَسِ الرَّحِيمِ تَنَفُّسَا
وَمِنَ الأَصَالَةِ وَالْبَيَانِ تَأَسَّسَا
أَوَلَسْتُ مِنْ أَصْلِ الْعُرُوبَةِ مَنْبَعِي
وَوُسِمْتُ لِلْيَمَنِ السَّعِيدِ مُجَنَّسَا
كَيْنُونَتِي مِنْ بَطْنِ حِمْيَرَ مِنْ سَبَا
أَكْرِمْ بِهَا أَصْلا وَأَكْرِمْ مَغْرَسَا
مِنْ مَوْطِنِ الأَقْيَالِ وَالأَذْوَاءِ مَنْ
كَانُوا هُمُ الْقَوْمَ الأَشَدَّ الأَشْرَسَا
بَلَدُ التَّبَابِعِ وَالسَّمَادِعِ مَجْدُهُمْ
نَقْشٌ عَلَى هَامِ الْمَدَى لَنْ يُطْمَسَا
إِنِّي لَمِنْ أَرْضِ السَّعِيدَةِ هَكَذَا
وُصِفَتْ قَدِيما مَا أَحَبَّ وَأَنْفَسَا
وَهَبَ الْجَمَالَ لَهَا وَأَعْلَى قَدْرَهَا
سُبْحَانَهُ اللهُ الْكَرِيمُ تَقَدَّسَا
لَكِنْ مَعَ أَسَفِي تَبَدَّلَ حَالُهَا
غَطَّى ضُحَاهَا دَامِسٌ قَدْ حَنْدَسَا
أَرْضُ السَّعِيدَةِ لَمْ تَعُدْ بِسَعِيدَةٍ
فِيهَا الشَّقَاوَةُ مَا أَشَدَّ وَأَتْعَسَا
عَاثَتْ بِهَا أَيْدِي الْبُغَاةِ فَأَبْدَلَتْ
بِالْوُدِّ وَالأُنْسِ الْعَدَاوَةَ وَالأَسَى
فِي كُلِّ مَنْطِقَةٍ لِحَرْبٍ مَظْهَرٌ
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ تُشَاهِدُ مَتْرَسَا
فَحَمَلْتُ مِنْ هَمِّ السَّعِيدَةِ مَا نَأَتْ
عَنْ حَمْلِهِ صُمُّ الْجِبَالِ تَوَجُّسَا
سَأَظَلُّ أَذْكُرُ حَالَهَا مُسْتَنْهِضا
هِمَما بِمَنْ هُمْ يَصْمُتُونَ تَحَسُّسَا
وَأَظَلُّ أَنْشُدُ مَجْدَهَا وَرُقِيَّهَا
فِيمَا اسْتَطَعْتُ وَلَنْ أَمَلَّ وَأَيْأَسَا
وَدَّعْتُهَا وَحَنِينُهَا فِي أَضْلُعِي
وَهَوَاجِسِي فِي كُلِّ صُبْحٍ أَوْ مَسَا
وَلِقِبْلَةِ الْعُلَمَاءِ تُونِسَ وَالْهَوَى
يَمَّمْتُ وَجْهِيَ قَاصِدا كَيْ أَدْرُسَا
مُتَأَبِّطا هَمِّي وَهَمَّ سَعِيدَتِي
وَبِتُونِسَ الْخَضْرَاءِ أَنَخْتُ لِتُؤْنِسَا
وَأَتَيْتُ أَقْطِفُ مِنْ جَنَى أُدَبَائِهَا
مُتَنَسِّما آثَارَهُمْ مُتَلَمِّسَا
فَوَجَدْتُهَا نِعْمَ الْبِلَادُ نَضَارَة
وَأَصَالَة وَمَكَانَة وَتَفَرُّسَا
أَنَّى اتَّجَهْتَ بِهَا تَجِدْهَا آيَة
فِي الْحُسْنِ أَلْبَسَهَا الْمَلِيكُ السُّنْدُسَا
حَتَّى الْأَسَامِي يُسْتَلَذُّ سَمَاعُهَا
إِذْ أَنَّ فِيهَا لِلْحَشَاشَةِ مَأْنَسَا
مِنْ مِثْلِ نَابِلَ وَالْمُرُوجِ وَقَابِسٍ
وَكَذَلِكَ الْفِرْدَوْسُ تَشْرَحُ أَنْفُسَا
وَوَجَدْتُ فِيهَا مِنْ أَصَالَةِ مُحْتَدٍ
وَكَرَامَةٍ وَبَشَاشَةٍ مُتَنَفَّسَا
أَنْعِمْ بِهِمْ مِنْ قَادَةٍ وَرَعِيَّةٍ
نِعْمَ النَّمُوذَجُ مِنْ رِجَالٍ أَوْ نِسَا
لَوْ كَانَ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِ امْرِئٍ
سَيَكُونُ قَلْبَايَ السَّعِيدَ وَتُونِسَا
فَلَكَمْ وَدِدْتُ بِأَنْ أَعُودَ بِحَظْوَةٍ
مِنْ مُجْتَنَى أُدَبَائِهَا عَلِّي عَسَى
د. محمود محمد يحيى أبوبكر
شاعر وأكاديمي وباحث وتربوي وشخصية اجتماعية
وُلد محمود محمد يحيى أبوبكر في 1 مايو 1972م في محلة الجرعمية التابعة لقرية القزعة، مركز مديرية بلاد الطعام، محافظة ريمة، الجمهورية اليمنية. توفي والده وهو في عامه الأول، فعاش يتيم الأب في كنف والدته، ونشأ في بيئة ريفية كان لها أثرها في تكوين شخصيته وارتباطه المبكر بالتعليم والمجتمع.
بدأ تعليمه في مدرسة الحرية، ثم واصل دراسته في مدرسة الفتح بمركز المديرية، قبل أن يلتحق بـ معهد معلمي الفتح بنظام الخمس سنوات، الذي تخرج فيه عام 1990م. ومنذ ذلك الحين بدأ مسيرته المهنية في مجال التربية والتعليم، فعمل مدرسا في التعليم الأساسي، ثم تولى مهام وكيل لمدارس بلاد الطعام، ليواصل بذلك حضوره المبكر في المجال التربوي.
وفي إطار سعيه إلى تطوير تحصيله العلمي، التحق بـ كلية التربية، قسم اللغة العربية، بجامعة الحديدة، ونال درجة البكالوريوس عام 1998م بتقدير عام ممتاز، محققا المركز الأول على دفعته. وبعد تخرجه عاد إلى بلدته، وواصل العمل في ميدان التربية والتعليم، مدرسا لمادة اللغة العربية في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي. وبالتوازي مع نشاطه التربوي، اضطلع بأدوار اجتماعية ومحلية، فكان عضوا في المجلس المحلي بالمديرية، ثم تولى مهمة عاقل قرية القزعة، بما عزز حضوره في خدمة مجتمعه والمساهمة في معالجة قضاياه المحلية.
وفي أواخر عام 2008م، ابتُعث ضمن منح التبادل الثقافي إلى الجمهورية العربية السورية لمواصلة دراساته العليا، فالتحق بـ كلية الآداب في جامعة تشرين باللاذقية، حيث تخصص في الأدب، ونال درجة الماجستير عام 2012م عن رسالته الموسومة بـ:
«صورة الدولة الرسولية في شعر ابن هُتَيْمِل: دراسة موضوعية فنية».
وكان ابتعاثه إلى سوريا مهيأ لمواصلة دراسة الدكتوراه، غير أن ظروف الحرب التي شهدتها البلاد حالت دون استكمال دراسته، كما لم يتيسر له في ذلك الوقت الانتقال إلى دولة أخرى لإتمام مرحلة الدكتوراه.
وبعد حصوله على درجة الماجستير، عاد إلى اليمن واستأنف عمله في المجال التربوي، فعمل موجها تربويا في التعليم الأساسي، كما عمل مدرسا متطوعا في كلية التربية والعلوم التطبيقية بريمة. وخلال هذه المرحلة تداخلت تجربته التربوية مع حضوره الاجتماعي والدعوي والثقافي؛ فكان حاضرا في مجتمعه من خلال دروسه وخطبه، وبرز بوصفه مربّيا وناشطا اجتماعيا، وقدوة في الالتزام وخدمة المجتمع. كما عبّر عن قضايا بلدته وهمومها من خلال شعره وخطاباته في المناسبات الوطنية والاجتماعية، وأمام المسؤولين والزائرين من أبناء المحافظة والمديرية.
وفي 18 مارس 2017م، اعتُقل من قبل جماعة الحوثي، وظل رهن الاعتقال حتى أُفرج عنه ضمن صفقة تبادل في 1 مايو 2018م، وانتقل إثر ذلك إلى مدينة مأرب، حيث اتجه إلى العمل في المجال الإنساني، فعمل سكرتيرا لمخيم الجفينة للنازحين في مأرب، كما عمل مندوبا للنازحين من محافظة ريمة، وأسهم في متابعة قضاياهم وخدمتهم في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي فرضتها الحرب والنزوح. وفي الفترة نفسها، واصل حضوره الأكاديمي، فعمل مدرسا بنظام الساعات في كلية التربية بجامعة إقليم سبأ.
وفي عام 2021م، استأنف مشروعه الأكاديمي في الدراسات العليا، فابتُعث ضمن منح التبادل الثقافي إلى الجمهورية التونسية، والتحق بـ جامعة تونس، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم اللغة العربية، تخصص الدراسات الأدبية. وهناك واصل مشروعه العلمي الذي بدأه في دراسة الأدب اليمني، حتى نال في أكتوبر 2025م درجة الدكتوراه في اللغة والآداب والحضارة، تخصص أدب، بتقدير مشرف جدا (ممتاز)، عن أطروحته الموسومة بـ:
"المجتمع اليمني في القرن السابع الهجري من خلال شعر ابن هُتَيْمِل".
وخلال مسيرته العلمية والمهنية، شارك في عدد من المؤتمرات والندوات والورش والدورات التدريبية في مجالات اللغة العربية، والبحث العلمي، والتربية والتعليم، والإعلام، والعمل الإنساني، وإدارة المخيمات، والتعليم عن بُعد، ومنهجية إعداد الرسائل الجامعية. ومن أبرز مشاركاته حضوره المؤتمر العلمي الأول لجامعة إقليم سبأ عام 2022م، والمؤتمر العلمي الدولي الثاني للغة العربية عام 2021م، إلى جانب مشاركات علمية وأكاديمية وثقافية أخرى في اليمن وتونس، وعبر المنصات الدولية.
ولم يقتصر حضوره في تونس على الجانب الأكاديمي، بل كان له حضور فاعل في المشهد الأدبي والثقافي؛ إذ مثّل اليمن في المهرجان الدولي للإبداع الثقافي في دورته التاسعة بتونس، المنعقد خلال الفترة 23–25 مايو 2024م، كما شارك في عدد من المنتديات الأدبية والأمسيات الشعرية والفعاليات والجمعيات الثقافية. وأثمر هذا النشاط عن مشاركته في أعمال شعرية عربية مشتركة، من أبرزها ديوان «ترتيل الحب بوحي البلاد»، الصادر في تونس عن دار الأدب الوجيز في يناير 2025م، بمشاركة شعراء من تونس واليمن وفلسطين.
وتُوّج هذا الحضور العلمي والثقافي بعدد من شهادات التقدير والتكريم، من أبرزها درع العطاء والتميز من سفارة الجمهورية اليمنية بتونس تقديرا لنشاطه الثقافي في ديسمبر 2025م، وشهادة كفاءة في البحث والاجتهاد من مدرسة الدكتوراه بجامعة تونس، إلى جانب شهادة تكريم من المركز الثقافي أبي القاسم الشابي بالوردية في تونس، فضلا عن عدد من التكريمات الأخرى من مؤسسات ومجالس وجمعيات ثقافية وأدبية. وأسهم نشاطه العلمي والأدبي في تعزيز التواصل الثقافي بين اليمن وتونس، وفتح مساحات للحضور اليمني في الفضاء الثقافي العربي.
من آثاره العلمية والأدبية
«صورة الدولة الرسولية في شعر ابن هُتَيْمِل: دراسة موضوعية فنية»، رسالة الماجستير، جامعة تشرين، كلية الآداب، اللاذقية، 2012م.
«الشاعر القاسم بن هُتَيْمِل في آراء النقاد»، مقالة منشورة في مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية، المجلد (34)، العدد (1)، 2012م.
«ترتيل الحب بوحي البلاد»، ديوان شعري جماعي بمشاركة عدد من الشعراء من تونس واليمن وفلسطين، دار الأدب الوجيز، تونس، يناير 2025م.
"المجتمع اليمني في القرن السابع الهجري من خلال شعر ابن هُتَيْمِل"، أطروحة الدكتوراه في اللغة والآداب والحضارة، تخصص أدب، جامعة تونس، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، أكتوبر 2025م.
(أصداء وأفياء)، ديوان شعري قيد الإعداد والطبع.
وهكذا تتشكل تجربة محمود محمد يحيى أبوبكر عبر مسار زمني متدرج جمع بين التربية والتعليم، والتحصيل الأكاديمي، والعمل الاجتماعي والإنساني، والبحث العلمي، والإبداع الشعري؛ مسار بدأ من بيئة ريفية في محافظة ريمة، وامتد عبر محطات علمية ومهنية في اليمن وسوريا وتونس، وصولا إلى نيل درجة الدكتوراه، مع استمرار حضوره في المجال الأدبي والثقافي بوصفه شاعرا وباحثا وأكاديميا وتربويا، وشخصية اجتماعية ارتبط حضورها العلمي والثقافي بخدمة المجتمع وتعزيز التواصل الثقافي العربي