آخر تحديث :السبت-26 سبتمبر 2026-12:58ص
العالم من حولنا

إثيوبيا على حافة حرب جديدة.. هل يسقط اتفاق بريتوريا وتشتعل منطقة القرن الأفريقي؟

الجمعة - 25 سبتمبر 2026 - 11:16 ص بتوقيت عدن
إثيوبيا على حافة حرب جديدة.. هل يسقط اتفاق بريتوريا وتشتعل منطقة القرن الأفريقي؟
المصدر: تحليل سياسي – صحيفة عدن الغد


تدخل إثيوبيا واحدة من أخطر مراحلها السياسية والعسكرية منذ انتهاء حرب تيغراي أواخر عام 2022، بعد عودة المواجهات المسلحة بصورة واسعة بين القوات الفيدرالية وقوات إقليم تيغراي، في تطور يهدد عمليًا ما تبقى من اتفاق بريتوريا، ويفتح الباب أمام صراع قد لا تبقى تداعياته داخل الحدود الإثيوبية.


وخلال الأيام الأخيرة، تحولت حالة التوتر التي ظلت تتصاعد لأشهر إلى مواجهات مباشرة، وأعلنت سلطات تيغراي دخول قواتها في ما وصفته بـ«حرب دفاعية» ضد القوات الفيدرالية، في حين شهدت مناطق شمال البلاد تحركات عسكرية واسعة وامتدادًا للقتال إلى مناطق مجاورة.


وفي تطور يعكس خطورة الوضع، رُصد صباح الجمعة 25 سبتمبر انقطاع في خدمات الإنترنت في شمال إثيوبيا، بالتزامن مع استمرار الحرب، وسط مخاوف من تكرار سيناريو العزلة التي عاشها إقليم تيغراي خلال الحرب السابقة.


من أزمة سياسية إلى مواجهة عسكرية


ما يحدث اليوم لا يبدو مجرد جولة محدودة من الاشتباكات، فالمشهد السياسي والعسكري تغير بصورة كبيرة مقارنة بما كان عليه عند توقيع اتفاق بريتوريا.


قوات تيغراي تمكنت خلال التصعيد الحالي من السيطرة على مطارات ميكيلي وأكسوم وشِرِه، فيما امتدت المواجهات إلى أجزاء من إقليمي عفر وأمهرة، وتوقفت رحلات جوية في مناطق متأثرة بالقتال.


هذه التطورات تحمل دلالة عسكرية مهمة، إذ إن السيطرة على المطارات تعني أن الصراع تجاوز مرحلة المناوشات المحلية إلى محاولة السيطرة على منشآت استراتيجية يمكن أن تؤثر في حركة القوات والإمدادات والاتصالات داخل شمال إثيوبيا.


لكن التطور الأخطر لا يتعلق بتيغراي وحدها.


تحالف جديد يغير قواعد اللعبة


قبل أيام فقط من اندلاع المواجهات الواسعة، أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف جديد تحت اسم «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، واضعة هدفًا معلنًا يتمثل في إسقاط حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.


ويضم التحالف جبهة تحرير شعب تيغراي، وحركة فانو القومية في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، إضافة إلى جماعات من عفر وبني شنقول-قمز ومناطق أخرى.


والمفارقة أن بعض هذه القوى قاتلت بعضها بعضًا خلال الحرب السابقة.


فحركة فانو، على سبيل المثال، قاتلت إلى جانب الحكومة الفيدرالية ضد قوات تيغراي بين عامي 2020 و2022، لكنها تخوض منذ سنوات صراعًا ضد الحكومة نفسها.


هذا التحول يكشف حجم التغير الذي طرأ على الخريطة السياسية الإثيوبية.


فالحكومة الفيدرالية لم تعد تواجه تمردًا في إقليم واحد، بل تواجه خصومًا مسلحين ينتشرون في عدد من الأقاليم ويحاولون للمرة الأولى بناء مظلة سياسية وعسكرية مشتركة.


ومع ذلك، فإن وجود تحالف معلن لا يعني بالضرورة وجود قيادة عسكرية موحدة أو قدرة على تنفيذ عمليات متزامنة، إذ ما تزال بين بعض أطرافه خلافات سياسية وإقليمية عميقة، وهو ما أشار إليه محللون تحدثوا لوكالة رويترز.


آبي أحمد أمام اختبار مختلف


خلال حرب 2020، تمكنت حكومة آبي أحمد من حشد الجيش الفيدرالي إلى جانب قوات إقليمية، كما تلقت دعمًا عسكريًا مباشرًا من إريتريا في الحرب ضد جبهة تحرير شعب تيغراي.


اليوم تبدو الخريطة مختلفة.


العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة تدهورت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت الحكومة الإثيوبية تتهم إريتريا بدعم جماعات مسلحة معارضة داخل إثيوبيا، وهو اتهام تنفيه أسمرة.


وهذا التحول يمثل أحد أخطر عناصر الأزمة الحالية.


فإريتريا التي قاتلت إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد تيغراي خلال الحرب السابقة أصبحت اليوم موضع اتهام من الحكومة الإثيوبية بمساندة خصومها.


وفي المقابل، فإن إثيوبيا وإريتريا تعيشان أصلًا حالة توتر مرتبطة بملفات الحدود والأمن ورغبة أديس أبابا في الحصول على منفذ بحري سيادي، بما في ذلك الحديث عن ميناء عصب الإريتري.


هل تدخل إريتريا الحرب؟


هذا هو السؤال الأخطر خلال المرحلة المقبلة.


أي تدخل إريتري مباشر سيغير طبيعة الحرب بالكامل، لأن المواجهة عندها لن تبقى نزاعًا إثيوبيًا داخليًا، وإنما يمكن أن تتحول إلى حرب إقليمية على الضفة الغربية للبحر الأحمر.


وتزداد حساسية هذا الاحتمال بسبب الموقع الاستراتيجي لإريتريا، وخصوصًا ميناء عصب القريب نسبيًا من باب المندب، في وقت يشهد فيه البحر الأحمر وخليج عدن أصلًا توترات أمنية وعسكرية متصاعدة. كما أن الولايات المتحدة رفعت مؤخرًا عقوبات كانت مفروضة على جهات وشخصيات إريترية، وسط اهتمام دولي متزايد بأمن البحر الأحمر.


ومن هنا فإن الأزمة الإثيوبية لا يمكن فصلها بالكامل عن إعادة تشكيل التوازنات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.


اتفاق بريتوريا أمام أخطر اختبار


اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022 أنهى واحدة من أكثر الحروب دموية في التاريخ الإثيوبي الحديث.


لكن الاتفاق لم يعالج جميع أسباب الصراع.


ظلت قضايا الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، وانتشار القوات، ووضع تيغراي السياسي، والعلاقة مع إريتريا ملفات شديدة الحساسية.


ومع عودة الحرب بهذا الحجم، فإن الأساس السياسي الذي قام عليه الاتفاق يتعرض الآن لأقسى اختبار منذ توقيعه.


وكالة أسوشيتد برس وصفت القتال الحالي بأنه أدى فعليًا إلى تحطيم اتفاق السلام، فيما تقول أطراف في جبهة تيغراي إن الاتفاق لم يعد قائمًا، وهو موقف لا يعني بحد ذاته أن الاتفاق انتهى قانونيًا أو سياسيًا بصورة متفق عليها.


هل تستطيع قوات المعارضة الوصول إلى أديس أبابا؟


حتى الآن، لا توجد مؤشرات موثوقة على أن العاصمة الإثيوبية تواجه خطرًا عسكريًا مباشرًا.


المعارك الرئيسية تتركز في الشمال، والمسافة السياسية والعسكرية بين السيطرة على مناطق في تيغراي أو أمهرة وبين تهديد أديس أبابا كبيرة.


كما يمتلك الجيش الفيدرالي قدرات جوية وطائرات مسيرة وأجهزة أمنية وقواعد عسكرية، ولا تزال مؤسسات الدولة المركزية تعمل.


لذلك فإن الحديث عن سقوط قريب للحكومة سيكون سابقًا لأوانه.


لكن الخطر الأكبر على حكومة آبي أحمد قد لا يتمثل في تقدم عسكري واحد نحو العاصمة، بل في اضطرارها إلى القتال على جبهات متعددة في الوقت نفسه.


فإذا تزامنت جبهة تيغراي مع تصعيد واسع في أمهرة وأوروميا ومناطق أخرى، فإن الحكومة ستواجه تحديًا عسكريًا وأمنيًا وماليًا أكبر بكثير من مواجهة تمرد محصور في إقليم واحد.


حرب قد تتجاوز حدود إثيوبيا


الموقع الجغرافي لإثيوبيا يجعل أي انهيار أمني واسع فيها قضية إقليمية.


فالبلاد تجاور السودان الذي يعيش حربًا داخلية، وإريتريا التي تشهد علاقاتها مع أديس أبابا توترًا، والصومال والقرن الأفريقي، فيما يقع البحر الأحمر وباب المندب على مسافة قريبة من مسرح الأحداث.


ولهذا فإن استمرار الحرب قد يخلق موجات نزوح جديدة ويضغط على اقتصادات المنطقة ويعيد ترتيب التحالفات السياسية والعسكرية في القرن الأفريقي.


وتصبح الصورة أكثر تعقيدًا عندما تدخل ملفات البحر الأحمر وموانئ إريتريا وسد النهضة والعلاقة مع مصر والصومال ضمن الحسابات الإقليمية المحيطة بإثيوبيا.


إلى أين تتجه إثيوبيا؟


يمكن قراءة المشهد الحالي من خلال ثلاثة مسارات محتملة.


الأول هو احتواء المواجهات والعودة إلى مسار تفاوضي يعيد إحياء اتفاق بريتوريا، وهو المسار الأقل كلفة لكنه يحتاج إلى تنازلات وضمانات من الأطراف.


الثاني هو استمرار حرب استنزاف طويلة في شمال البلاد، تتوسع وتنكمش دون قدرة أي طرف على حسمها سريعًا.


أما المسار الثالث، والأكثر خطورة، فهو تحول التحالف الجديد بين القوى المسلحة إلى تعاون عسكري فعلي على جبهات متعددة، بالتزامن مع دخول إريتريا أو أطراف إقليمية أخرى بصورة أوسع في الصراع.


عندها لن تكون إثيوبيا أمام نسخة جديدة فقط من حرب تيغراي، وإنما أمام أزمة تهدد بنية الدولة الفيدرالية نفسها وتضع القرن الأفريقي أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.


ما يمكن تأكيده حتى صباح الجمعة 25 سبتمبر 2026 هو أن صفحة الهدوء النسبي التي أعقبت اتفاق بريتوريا تعرضت لضربة شديدة، وأن الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كانت المواجهات الحالية جولة يمكن احتواؤها، أم بداية حرب إثيوبية جديدة أوسع وأكثر تعقيدًا من سابقتها.


صحيفة عدن الغد