آخر تحديث :السبت-05 سبتمبر 2026-02:30م
أدب وثقافة

قصيدة: "كانَ وطناً"

السبت - 05 سبتمبر 2026 - 01:22 م بتوقيت عدن
قصيدة: "كانَ وطناً"
المصدر: بقلم ✍🏻: الشيخ أحمد سعيد العمودي



قال العمودي أحمدُ والدمعُ يَنهَمِرُ

كانَ وطناً فكيفَ أنسى وطناً قد غَبَرِ

سألوني عنكَ فانفطرَ الفؤادُ وانكسَرِ

كأولِ مرةٍ يُذبحُ القلبُ بلا خَبَرِ


وكأنَّ الذاكرةَ نقشَتْ جُرحَكَ في الحَجَرِ

وأبتْ إلا أن تُعيدَ الحنينَ مع المَطَرِ

كلُ زاويةٍ فيكِ تُنادي باسميَ القَدَرِ

وكلُ شارعٍ يبكي على عهدٍ قد اندَثَرِ


بعضُ الناسِ يرحلونَ لكنْ لا يرحلُ الأَثَرِ

يبقونَ في الروحِ نَبضاً وفي العروقِ سَفَرِ

وتبقى الأماكنُ شهوداً على ما كانَ وانحَدَرِ

تحكي للريحِ قصةَ لقاءٍ كانَ كالقَمَرِ


فماذا لو كانَ الذي رحلَ ليسَ من البَشَرِ

بل كانَ سماءً، كانَ ماءً، كانَ كلَّ المَدَرِ

كانَ بيتاً، كانَ أُمّاً، كانَ ضحكةَ الصِغَرِ

كانَ وطناً كاملاً... فكيفَ يُنسى في العُمُرِ؟


يا مدينتي التي سكنتْ في سويداءِ النَظَرِ

بيوتُكِ قِلاعٌ وجدرانُكِ دفاترُ السِيَرِ

وأزقَّتُكِ شرايينُ تمشي في دميَ وتَجرِ

ونخلُكِ صلاةٌ ترفعُ للسماءِ كلَّ وَتَرِ


عندما أذكرُ اسمَكِ يرتجفُ القلمُ في يديَ ويَعثُرِ

وتسقطُ الحروفُ مني مثلَ ورقِ الشَجَرِ

لأنَّ الحبَّ الذي كانَ بيننا أكبرُ من القَدَرِ

وأثقلُ من جبالٍ حملتْ همَّ البَشَرِ


كانَ حضنكِ أماناً حينَ عَصَفَ بي الخَطَرِ

وكانَ صوتُكِ وطناً يُسكِتُ كلَّ الضَجَرِ

وكانَ ضحكُكِ عيداً، وكانَ صمتُكِ سَفَرِ

أُهاجرُ فيهِ فأعودُ محمولاً على الأَثَرِ


رحلتِ عني فصارَ الليلُ في عينيَّ سَهَرِ

وصارَ النهارُ غربةً، وصارَ الماءُ كَدَرِ

أسيرُ في الدنيا بجسدٍ، وقلبيَ قد أُسِرِ

في سجنِ ذكرى لا يُفكُّ قفلُها إلا بسَفَرِ


سألوني: لِمَ الحزنُ؟ قلتُ: سُلبتُ القَدَرِ

سُلبتُ أرضاً كانتْ لي صدراً وظهراً ومَقَرِ

سُلبتُ هواءً أتنفسُهُ، فصرتُ بلا نَفَسِ

فكيفَ يَعيشُ السمكُ إن جفَّ البحرُ وانحَسَرِ؟


أنتِ لستِ تراباً وحجارةً في الخَبَرِ

أنتِ دعاءُ أمي، أنتِ رائحةُ المَطَرِ

أنتِ أولُ حرفٍ كتبتهُ يدي على الشَجَرِ

أنتِ التاريخُ الذي بدأَ بي وانتهى بيَ العُمُرِ


يا وجعاً مزروعاً في عظامي لا يَندَثِرِ

كلما حاولتُ نسيانَهُ عادَ أقوى وانتصَرِ

كأنهُ نهرٌ تحتَ الجلدِ يجري ويَستمِرِ

يسقي صحراءَ الروحِ بملحِ الذكرى فيَنفَجِرِ


قالوا انسَ... قلتُ: وهل يُنسى النورُ من البَصَرِ؟

وهل يُنسى الوتينُ إذا توقفَ في الصَدَرِ؟

وهل يُنسى الوطنُ إذا صارَ في القلبِ قَدَرِ؟

الموتُ أهونُ من أن أحيا بلا أَثَرِ


أبني لكِ في الخيالِ قصوراً من الشَعَرِ

وأرسمُكِ في الغيومِ وأكتبُكِ على المَدَرِ

وأحفرُ اسمَكِ في كلِّ جدارٍ وفي كلِّ حَجَرِ

لعلي إن نطقتُ بكِ يعودُ بعضُ ما اندَثَرِ


يا خسارةَ العمرِ إن مضى بلا دِيارِ

ويا غربةَ الروحِ إن تاهتْ بلا قَرَارِ

كنتِ لي الفصلَ والكتابَ وكنتِ لي المَدارِ

فصرتُ بعدكِ سؤالاً بلا جوابٍ ولا قَرَارِ


أحملُكِ في ظهريَ كجبلٍ لا ينكسِرِ

وأسيرُ بهِ في الأسواقِ والناسُ في سَمَرِ

يضحكونَ وأنا أبكي، يسهرونَ وأنا في سَهَرِ

لأنَّ في قلبي جنازةَ وطنٍ لم يُصلَّ عليهِ البَشَرِ


لو جمعوا كلَّ أوطانِ الدنيا في سِجِلِّ

ما وجدوا وطناً بحجمِ ما كانَ فيكِ من دُرَرِ

ما وجدوا حباً بحجمِ ما كانَ فيكِ من خَطَرِ

وما وجدوا ألماً بحجمِ ما خلفتِ من أَثَرِ


يا ليلُ طالَ، والشوقُ في صدريَ اشتَعَلِ

والذاكرةُ سكينٌ تذبحني بلا كَلَلِ

وكلُ نجمةٍ تُسائلني: أينَ الديارُ؟ فأقولُ: رَحَلِ

فينهمرُ الدمعُ جواباً، والصمتُ أبلغُ من الجُمَلِ


سأظلُ أوفي لكِ العهدَ ما بقيَ لي نَفَسِ

سأظلُ أغنيكِ حتى في منفايَ وفي الحَبَسِ

سأظلُ أقولُ للعالمِ: هذهِ كانتْ ليَ النَفَسِ

وهذهِ كانتْ لي الحياةَ... فكيفَ أنساها وأنتَحِرِ؟


التاريخُ سيشهدُ أني لم أخنْ ولم أغدُرِ

وأنَّ الحبَّ الذي كانَ بيننا كانَ أكبرَ من القَدَرِ

وأنَّ الراحلينَ ليسوا أشخاصاً إذا كانوا وطَنْ

بل كانوا عمراً كاملاً... فكيفَ يُنسى العُمُرِ؟


قال العمودي أحمدُ والجرحُ لا يَندَمِلِ

كانَ وطناً... فكيفَ أنسى وطناً قد رَحَلِ؟

عندما يسألوني عنكِ ينفطرُ قلبيَ الأَوَّلِ

وكأنَّ الذاكرةَ أبتْ إلا أن تذكرني بكلِّ ما كُنَّا في الأَزَلِ



بقلم ✍🏻: الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي

قصيدة "كانَ وطناً" ملحمة شعرية عن وجع الغربة والحنين.

تجسد الوطن كإنسانٍ رحل، فتحول الفقد إلى جرحٍ لا يندمل في الذاكرة. وحضورها ملحمي يخاطب الروح قبل الأذن.

كُتبت بمدينة جده بالمملكة العربية السعودية في يوم السبت بتاريخ 21 / 8 شعبان / 1437هـ

الموافق تاريخ 28 / 5 مايو / 2016م