تدور الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في دائرة مفرغة لاستعادة الأموال المفقودة والإيرادات العامة وإعادة ربط المؤسّسات وتوحيد حساباتها، مع اتساع ثقب التهريب والفساد والانفلات في المنافذ الإيرادية إلى مستويات تفوق قدرات وإمكانيات الحكومة عن احتوائها، وسط ضغوطات محلية ودولية واسعة، وشراكة مهدّدة مع الجهات الداعمة والمانحة التي ترقب عن كثب أداء الحكومة ومستوى تقدمها في برنامج الإصلاحات.
وجاء إعلان مجلس القيادة الرئاسي، عن إطلاق إجراءات شاملة لمكافحة التهريب، ضمن عملية إصلاحات أوسع لحماية المنافذ السيادية، وتقويض اقتصاد الحرب، ومصادر تمويل وتسليح الحوثيين، في حين باشرت اللجنة العليا لمكافحة التهريب، وضع الإجراءات اللازمة لترجمة ذلك إلى خطوات عملية، وفي مقدمتها إحكام سيطرة الدولة على المنافذ البرية والبحرية، وإغلاق المنافذ غير القانونية، وتعزيز الرقابة على حركة السلع والبضائع، وملاحقة شبكات التهريب ومساراتها، ومنع أي أشكال للتواطؤ أو التسهيل أو توفير الغطاء لهذه الأنشطة.
في السياق، كشف الخبير اليمني في اقتصاد الحرب يوسف شمسان المقطري لـ"العربي الجديد" عن تكون منظومة فساد تغلغلت على نحوٍ مرعب في مفاصل الدولة خلال فترة ما بعد الحرب في اليمن، فقد شهدت البلاد خروج المؤسّسات والموارد عن السيطرة، مع تحول الفساد تحولاً نوعياً أخطر، إذ لم يعد يستند إلى القوانين والمؤسسات فحسب، بل أصبح مسنوداً بالعنف والسلاح والإقصاء والتهميش والاستبعاد والتخوين، متغلغلاً في صلب اقتصاد الحرب، ومتحولاً إلى أحد أهم مصادر الريع والتمويل.
وهنا تكمن المشكلة والمتاهة والحلقة المفرغة التي تدور حولها الدولة والحكومة، وفق المقطري، فالانحدار الحاد في كل ذلك يعود إلى هذا الوباء الذي تمركز في قطاعات سيادية قاتلة، أبرزها: القطاع العسكري والأمني، حيث تحوّل إلى أكبر مولّد للفساد عبر الجيوش الوهمية، والمرتبات المزدوجة، وعقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح.
في حين، رأى الخبير وأستاذ الاقتصاد بجامعة تعز محمد علي قحطان في حديث لـ"العربي الجديد" أن الحكومة يمكنها استعادة السيطرة على الإيرادات العامة في حالة توفر الإرادة السياسية في مواجهة الفساد، إلا أن هذه الإرادة بحسبه مرهونة بإرادة الدول الداعمة للشرعية، منوهاً بالأهمية البالغة للالتزام بتنفيذ القرارات والقوانين، لما فيه تحقيق المصلحة الوطنية العليا وتعزيز الموارد العامة للدولة، وتسخيرها لتحسين الأوضاع العامة وبمقدمتها الخدمات الأساسية والأوضاع المعيشية للمواطنين. ويرى خبراء اقتصاد أن الحديث عن موضوع استعادة الإيرادات والمؤسسات والقطاعات الاقتصادية بمثابة وهم يسوقه العاجز عن فعل شيء، فمثلاً كما قال المقطري هناك النفط والغاز الذي يعتبر أهم قطاع إيرادي، لكن وفق معاينه سريعة له، تجده قطاع جرى تفريغه من طابعه السيادي، وتحويله إلى غنيمة حرب عبر عقود غير شفافة، وإيرادات خارج الموازنة، وتمويل شبكات نفوذ مسلحة، وأسواق موازية لعمالة كبيرة خلقت خلل تشوه في سوق العمالة بدل أن يكون رافعة للتعافي، وهناك المنافذ والجبايات غير القانونية والريعية، لذا لا أحد يستطيع تحديد كُلفة كل ذلك العبث والتهريب والفساد وشبكات النفوذ المهيمنة على موارد الدولة.
بدوره، أكد قحطان أنّ غياب السلطة السياسية في الخارج أدى الى ضعف أجهزة الدولة الأمنية مع تنامي جامح لتهريب السلع من الخارج، وتهريب الموارد الاقتصادية من المنافذ البحرية والبرية، ومن شأن ذلك إضعاف تدفق الإيرادات العامة من أهم المصادر، المتمثلة بالجمارك، إضافة إلى أن التهريب يعتبر أهم اختلالات ميزان المدفوعات، فاليمن بفعل الحرب وانهيار الوضع الاقتصادي والإنساني تضاعفت حاجة البلاد للاستيراد وبنفس الوقت تراجعت صادراتها المتاحة بصورة حادة بسبب إعاقة تصدير النفط والغاز الذي كانت تعتمد عليه الموازنة العامة للدولة وبنسبة عالية جدا تتجاوز 70% من إجمالي الإيرادات العامة لتغطية النفقات.
وكل ذلك وفق حديث قحطان يحتم على الحكومة المعترف بها دولياً العمل على مواجهة الفساد واستعادة مواردها المالية المتاحة، بحيث تستطيع أن تقوي مركزها المالي والتخفيف من الاعتماد على المنح والمساعدات الخارجية، كما ينبغي أن تعمل بإرادة سياسية قوية على مواجهة التهريب واستعادة العافية للعملة الوطنية، وتسخير المنح والمساعدات الخارجية وبالأخص المتدفقة من المملكة العربية السعودية لإعادة بناء ما دمر أثناء الحرب وللتنمية الاقتصادية المستدامة.
وكانت وزارة المالية في عدن، قد أطلقت أكثر من التزام بضغط دولي خلال الشهرَين الماضيَين، بالمضي في إنفاذ قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لعام 2025، في استعادة الموارد وضبط المنافذ الإيرادية، وضمان استعادة الموارد العامة، وضبط عملية التوريد، وإنهاء فرض أي رسوم وجبايات غير قانونية، وكذا تعزيز رقابة الدولة على مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية.