آخر تحديث :الخميس-13 أغسطس 2026-08:22م
أدب وثقافة

حتى في يوم الحساب... هناك طابور!

الخميس - 13 أغسطس 2026 - 06:29 م بتوقيت عدن
حتى في يوم الحساب... هناك طابور!
المصدر: بقلم/ علاء الدين السقاف:

لم اكن اتخيل انني ساقف يوما خلف كونتر الحساب.


كان كونتر عاديا، يشبه ذلك الذي رايته مئات المرات في المطاعم والبنوك والمستشفيات.


لكن المكان لم يكن عاديا.


لم يكن هناك بنك، ولا مطعم، ولا مستشفى.


كان هناك انا... وكونتر... وطابور.


طابور طويل جدا جدا.


اطول من ان يقاس.


في البداية لم افكر كثيرا في الامر. كنت اظن انني سانهيه سريعا.


سياتي شخص، اخذ منه شيئا او اعطيه شيئا، ثم ياتي الذي بعده.


هكذا هي الطوابير.


لم تكن هناك ارقام انتظار، لكن الطابور كان منظما جدا!.


يبدو ان العدالة في هذا اليوم، على عكس الدنيا، لا تعاني من الواسطة.


جاء اول شخص.


نظر الي وقال:


"لي حق عندك."


لم افهم.


قالها مرة اخرى.


ثم رمى نحوي حجرا. ثم انصرف.


كل منهم كان ياتي الى الكونتر، يقول شيئا افهمه او لا افهمه، ثم يرمي نحوي حجرا.


بعض الحجارة كنت اتجنبها، وبعضها كان يصيبني.


في البداية لم اهتم، رغم المها.


**"مجرد حجر."**


ثم جاء حجر اخر.


ثم اخر.


ثم اخر.


كانت بعض الحجارة صغيرة جدا، اكاد لا اراها، حتى انني كنت استغرب كيف يمكن لشيء بهذا الحجم ان يؤلمني.


لكنني بدات الاحظ شيئا.


الحجارة التي اتجنبها لا تختفي.


والحجارة التي تصيبني لا تسقط على الارض.


جميعها تبقى.


جاء شخص اعرفه.


كان قد مر في حياتي قبل سنوات لكني لاتذكر ملامحه.


ربما قلت له كلمة جرحته، او اضحكت الاخرين عليه.


لحظات ضحك، ثم نسيت الامر.


لكنه لم ينسه.


رمى نحوي حجره.


ثم جاء اخر.


كنت قد تكلمت عنه في غيابه. جملة صغيرة لم تستغرق دقيقة.


رمى حجره.


اصابني.


ثم جاء شخص تجاهلته يوما، وشخص وعدته ولم اوف بوعدي، وشخص طلب مني مساعدة وكنت استطيع ان اساعده فلم افعل.


شخص اذيته بنظرة.


وشخص احرجته امام الاخرين.


وشخص ظلمته في موقف صغير.


بدات اتذكر اشياء كثيرة.


اشياء كنت اقول عنها:


"مجرد كلمة."


"مجرد مزحة."


"لم اقصد."


**"ما يستاهل."**


لكنها لم تكن بسيطة هنا.


وهنا بدات اتساءل:


كيف وصل كل هؤلاء الي؟


لم اكن سارقا.


لم اقتل احدا.


لم اكل مال يتيم.


لم اشرك بالله.


لم اكن من اصحاب الجرائم الكبيرة التي كنت اخاف منها طوال حياتي.


كنت اظن انني اذا ابتعدت عن تلك الاشياء فقد ابتعدت عن الخطر.


لكنني لم اكن اعرف ان هناك اشياء اخرى لا نضعها في خانة الجرائم اصلا!


كلمة.


نظرة احتقار.


ضحكة.


غيبة.


نميمة.


حق صغير لم اعطه لصاحبه.


سكوت عن حق.


وشخص قلت له:


"بعدين"


ثم جاء "بعدين"... ومازالت بين قوسين.


اشياء صغيرة جدا، حتى انني لم اكن اتذكر معظمها.


لكنهم كانوا يتذكرون.


نظرت امامي.


كان الطابور لا يزال طويلا... وربما كان يزداد طولا.


ثم نظرت خلفي.


فوجدت انني لم اعد اقف امام طابور من الناس.


بل كان خلفي **جبل من الحجارة**.


كل حجر فيه كان شيئا صغيرا فعلته ثم نسيته.


شيئا كنت اقول عنه دائما:


**"ما يستاهل."**


لكنه كان تساهلا...


كل الحجارة تتراكم في جبلي العظيم الذي لا استطيع ان ارى قمته.


بدا الطابور يتحرك.


شخص بعد شخص.


وحجر بعد حجر.


وانا استقبلهم.


احيانا اتجنب الحجر، واحيانا يصيبني.


لكن لم يكن هناك فرق.


رفعت راسي.


حاولت ان ارى اخر الطابور.


خذلني بصري.


وفجاة فهمت.


لم تكن المشكلة انني فعلت اشياء عظيمة طوال حياتي.


المشكلة انني فعلت اشياء صغيرة...**وكثيرة.والاهم انها خطيرة.**


صغيرة لدرجة انني لم اكن اخاف منها.


صغيرة لدرجة انني كنت ارتكب بعضها وانا اضحك.


صغيرة لدرجة انني كنت انام بعدها مطمئنا.


لكنها حين اجتمعت...


لم تعد صغيرة.


نظرت الى الجبل خلفي.


كان عظيما.


ثم نظرت الى الطابور امامي.


بدا لي اعظم.


وللحظة ادركت ان ما يحدث لي مصيبة.


لكنني تذكرت شيئا.


ربما...


**ربما كنت اصغر من يقف خلف هذا الكونتر.**


نعم.


هذا الكونتر الذي سيقف خلفه الجميع.


الذي سيأتي اليه كل مظلوم لياخذ حقه.


والذي لن تنفع عنده سلطة، ولا منصب، ولا مال، ولا حاشية، ولا واسطة ولا ذباب الكتروني!


نحن اصحاب الكونترات الصغيرة...


فماذا عن اولئك الذين ظلموا شعب باكمله؟


ماذا عن الذين لم يظلموا رجلاً واحدً أو حتى عشرة؟


بل ظلموا اجيالا.


احياء وامواتا.. اطفالا ونساء رجالاً وشيوخ.


اجنه في بطون امهاتهم لم يولدوا بعد، لكنهم سيرثون اثر ما فعله الظالمون قبلهم.


تخيلت طوابيرهم.


لم استطع  تخيل نهايتها.


تخيلت حجارتهم.


فلم استطع ان احصي لها عددا.


وتخيلت جبالهم...


فبدت لي جبالنا الصغيرة مجرد حصاة بجانبها.


ربما لن يكون لطوابيرهم نهاية.


وربما لن تكفي الارض لحمل حجارتهم.


وربما ستبلغ جبالهم عنان السماء.


ثم نظرت الى الكونتر امامي.


وجاء شخص اخر.


كان يحمل حجرا صغيرا جدا.


ابتسمت بحزن.


فقد عرفت الان ان الحجر الصغير...


ليس صغيرا في اثره دائما.


رفع الرجل يده...


ورمى الحجر.


اصابني.. المني.


وفجاة...


حل الظلام.


صمت...


عرق...


صوت من بعيد:


**بيب... بيب... بيب... بييييييييييب...**

**- صفاره البطارية تعلن انتحارها اليوم للمرة الثانية -**


ثم صمت.


فتحت عيني في خوف وانا اردد : بسم الله .. الا لعنة الله على الظالمين.


بقيت للحظات احدق في الظلام.


ثم فهمت...


*لم اكن خلف الكونتر.*


*كنت في طابور احدهم انتظر دوري لارمي حجري.*