أفادت وكالة «رويترز» بأن الحكومة اليمنية ستتولى قيادة أي عملية عسكرية برية محتملة ضد مليشيا الحوثي، بالتزامن مع تحركات سعودية لتشكيل تحالفات إقليمية ودولية لردع التهديدات وحماية الملاحة في البحر الأحمر.
وبحسب تقرير للوكالة، فإن السعودية تعمل على بناء تحالفات دفاعية إقليمية في محاولة لتعزيز قدرتها على مواجهة الهجمات المتزايدة من إيران وحلفائها، في ظل انخراط المملكة تدريجيًا في صراع إقليمي لم تكن ترغب في خوضه.
وأشار التقرير إلى أن جهود الرياض لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات في البحر الأحمر، إلى جانب اتفاق الدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، لم تنجح حتى الآن في وقف الهجمات التي تستهدف المملكة ومصالحها.
وتواجه السعودية هجمات من إيران والعراق ومليشيا الحوثي في اليمن، التي أنهت الشهر الماضي هدنة استمرت أربع سنوات، وفتحت جبهة جنوبية ضد المملكة، كما استهدفت الملاحة والمنشآت النفطية السعودية.
ورغم ذلك، لا تزال الردود العسكرية السعودية على هذه الهجمات محدودة، في وقت تواجه فيه الرياض معضلة تتمثل في حماية رؤيتها الاقتصادية الطموحة وردع خصومها، دون الانجرار إلى حرب إقليمية أوسع على خلفية الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
ونقلت «رويترز» عن مسؤول شرق أوسطي قوله إن خصوم السعودية يدركون رغبة المملكة في تجنب الحرب، و«يستغلون ذلك».
وقال المحلل السعودي عزيز الغشيان، الزميل غير المقيم في منتدى الخليج الدولي، إن الوضع «مقلق للغاية»، وإنه يمثل تحديدًا ما كانت السعودية تسعى إلى تجنبه.
وأضاف أن إيران وحلفاءها يعتقدون أن السعودية لن ترد، وأنهم فسّروا ضبط النفس السعودي على أنه قبول باستهداف المملكة، معتبرًا أن التحدي أمام الرياض يتمثل في إيجاد توازن بين الردع وتجنب التصعيد.
تصعيد تدريجي
وأشارت «رويترز» إلى أن السعودية اتبعت منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في 28 فبراير مسارًا تدريجيًا في التعامل مع الهجمات، إذ حاولت في البداية احتواء التصعيد عبر القنوات الدبلوماسية، قبل الانتقال إلى ردود عسكرية محدودة أبقتها سرية.
وتمكنت الرياض لفترة من التوصل إلى حالة من الهدوء المؤقت مع إيران، بالتزامن مع وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة في أبريل، ما جعل المملكة تبدو كملاذ أكثر أمنًا في منطقة الخليج.
لكن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيدًا متسارعًا، مع تعرض منشآت نفطية حيوية في السعودية لهجمات من اليمن والعراق، إضافة إلى تهديد الملاحة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وقبل أسبوعين، نفذت السعودية والولايات المتحدة غارات جوية مشتركة ضد مليشيات عراقية قالتا إنها متورطة في الهجمات على المملكة، في أول رد عسكري انتقامي تعلنه الرياض خلال الحرب، رغم حرصها على عدم الظهور كطرف مباشر في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
وبعد يومين، أعلنت السعودية عزمها قيادة تحالف دفاعي بحري في البحر الأحمر، قبل أن تعلن الأسبوع الماضي في مكة اتفاق دفاع مشترك مع تركيا وباكستان.
وقالت ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج وشبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية، إن التحركات السعودية تمثل رسالة إلى إيران مفادها أن الرياض مستعدة للانتقال إلى مستويات أعلى من الردع، مع إعطاء الأولوية للدبلوماسية قبل تجاوزها إلى خيارات أخرى.
وأضافت أن اتفاق الدفاع والتحالف البحري يمثلان تحركًا تدريجيًا نحو المراحل المتقدمة من سياسة خفض التصعيد والردع، لكنها أشارت إلى أن هذه المبادرات لا تزال في مرحلة «اختبار»، وأن تنفيذ عمل عسكري مشترك غير مرجح حاليًا.
اتفاق الدفاع السعودي التركي الباكستاني
وترى «رويترز» أن اتفاق الدفاع الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة يحمل أهمية رمزية، باعتباره تعهدًا بين ثلاث دول إسلامية بالدفاع عن بعضها بعضًا.
وقال الباحث غير المقيم في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي، سلطان العامر، إن الاتفاق يحمل دلالة رمزية مرتبطة بفكرة دفاع الدول الإسلامية عن بعضها باعتبارها «أمة» واحدة.
لكن طبيعة الالتزامات العملية للاتفاق لا تزال أقل وضوحًا.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن الاتفاق يتطابق من الناحية الفنية مع المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، وإن أي هجوم على إحدى الدول الثلاث سيستلزم مشاورات بين الأطراف لتحديد نوع الدعم الذي يمكن تقديمه، إذا طلبت الدولة المستهدفة ذلك.
وكانت باكستان، بموجب اتفاق دفاع سابق مع السعودية، قد سعت إلى تجنب الانخراط عسكريًا في مواجهة إيران أو حلفائها، رغم تعرض المملكة لمئات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.
في المقابل، اعتبرت إيران الاتفاق ابتعادًا عن الاعتماد على القوى الخارجية، في إشارة، على ما يبدو، إلى الولايات المتحدة، وقالت إنها لا ترى سببًا للقلق طالما أن الاتفاق يحدد «العدو والتهديد بشكل صحيح».
الصدع اليمني
ويمثل اليمن أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة للسعودية، خصوصًا بعد إعلان الحوثيين الشهر الماضي إنهاء هدنة استمرت أربع سنوات وفرض حصار بحري على المملكة، بالتزامن مع استهداف منشآتها النفطية.
وأعادت الهجمات الحوثية إلى الأذهان أزمة عام 2019، عندما تراجع إنتاج النفط السعودي بنحو النصف بعد هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على منشآت نفطية، قالت تقارير سابقة لـ«رويترز» إن إيران خططت لها.
وتشير الوكالة إلى أن اليمن يمثل ملفًا حساسًا بالنسبة للسعودية، التي قادت تدخلًا عسكريًا عام 2015 بعد سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على العاصمة صنعاء، قبل أن تتسبب الحرب في خسائر بشرية وأزمة إنسانية واسعة.
ومع اقتراب اليمن مجددًا من الحرب، تريد الرياض أن تتولى الحكومة اليمنية قيادة أي عملية عسكرية محتملة، فيما ترى أن التحالف البحري متعدد الجنسيات ضروري لحماية الملاحة في البحر الأحمر.
وبحسب أشخاص شاركوا في الاجتماعات، أرسلت السعودية الدعوات إلى الدول المعنية قبل أيام قليلة فقط من الاجتماع الأول، ما يعكس استعجال الرياض في تشكيل التحالف.
وقالت مصادر إن 14 دولة إقليمية انضمت حتى الآن إلى المبادرة، مع توقع انضمام دول أخرى، فيما لا تزال دول أوروبية تدرس المشاركة وسط مخاوف من احتمال تورطها في صراع جديد داخل اليمن.
وتسعى السعودية إلى الإعلان عن التشكيل الرسمي للتحالف في أقرب وقت، مع عقد اجتماعات مرتقبة هذا الأسبوع في مدينة جدة.