لم يعد الفقر في اليمن يسرق أحلام الشباب فحسب، بل بات يدفع بعضهم إلى واحدة من أخطر شبكات الاستغلال العابرة للحدود، حيث تتحول وعود الوظائف المجزية إلى تذاكر سفر نحو ساحات الحرب في أوكرانيا.
ففي الوقت الذي يبحث فيه آلاف اليمنيين عن فرصة عمل تنقذهم من البطالة والانهيار الاقتصادي، تنشط شبكات تجنيد وتهريب معقدة تستغل هذا الواقع لتجنيد شبان يمنيين وإرسالهم إلى روسيا، قبل أن يجد بعضهم أنفسهم في صفوف الجيش الروسي، يحملون السلاح في حرب لا يعرفون عنها سوى اسمها.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت تتكشف تفاصيل هذه الشبكات تدريجيا عبر شهادات ناجين، وتحقيقات صحفية دولية، وتقارير حقوقية، لتظهر صورة متكاملة لعمليات استقطاب منظمة تبدأ داخل القرى والمدن اليمنية، وتمر عبر دول وسيطة، وتنتهي في معسكرات التدريب الروسية، ومنها إلى جبهات القتال في أوكرانيا.
أزمة اقتصادية تتحول إلى فرصة لشبكات التجنديث يعيش اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في العالم، حيث يعاني ملايين المواطنين من البطالة وانقطاع الرواتب وارتفاع معدلات الفقر.
وفي ظل هذه الظروف، أصبحت أي فرصة عمل خارج البلاد بمثابة طوق نجاة للكثير من الشباب، وهو ما تستغله شبكات التجنيد بصورة ممنهجة.
وتبدأ العملية عادة عبر وسطاء محليين ينتشرون في عدد من المحافظات اليمنية، ويقدمون عروض عمل مغرية في روسيا تشمل وظائف مدنية في مجالات الأمن أو الحراسة أو الإنشاءات أو الهندسة، مع رواتب شهرية مرتفعة مقارنة بمستوى الدخل داخل اليمن، إضافة إلى وعود بتوفير السكن والرعاية الصحية والحوافز المالية، بل وحتى إمكانية الحصول على الجنسية الروسية مستقبلا.
ويؤكد مجندون سابقون أن هذه العروض كانت تبدو واقعية ومقنعة، خصوصا مع تدهور الأوضاع المعيشية، ما دفع كثيرين إلى بيع ممتلكاتهم أو اقتراض الأموال لتغطية تكاليف السفر.
البداية من اليمن... والنهاية في ساحات الحرب
لكن الرحلة لا تنتهي عند الوصول إلى روسيا كما كان يتوقع المجندون.
فبحسب شهادات متطابقة وتقارير دولية، يفاجأ كثير من اليمنيين بعد وصولهم بأن الوظائف المدنية التي وعدوا بها غير موجودة، ويطلب منهم توقيع عقود مكتوبة باللغة الروسية دون ترجمة أو شرح كافٍ لمضمونها.
ويؤكد عدد من الذين عادوا من هناك أن بعضهم لم يكن يدرك أنه وقع عقدا للالتحاق بالخدمة العسكرية إلا بعد دخوله معسكرات التدريب.
ويخضع المجندون لفترات تدريب عسكري قصيرة قبل توزيعهم على الوحدات العسكرية، ثم يتم إرسالهم إلى مناطق القتال في أوكرانيا، حيث يشاركون في مهام قتالية مباشرة وسط ظروف بالغة الخطورة.
كما تحدث بعض الناجين عن أن الرواتب التي تلقوها كانت أقل بكثير من تلك التي وعدوا بها قبل السفر، بينما وجد آخرون أنفسهم عاجزين عن إنهاء العقود أو العودة إلى بلادهم.
كيف تعمل شبكات التجنيد؟
تكشف المعلومات المتوافرة أن هذه العمليات لا تتم بصورة عشوائية، وإنما عبر شبكة متكاملة من الوسطاء والمنسقين داخل اليمن وخارجه.
وتبدأ العملية برصد الشباب الباحثين عن العمل، ثم التواصل معهم عبر معارف أو وسطاء محليين أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
بعد ذلك، يتم إقناع الراغبين بالسفر بعروض مالية مغرية، قبل استكمال إجراءات استخراج الوثائق والسفر.
ولا ينتقل معظم المجندين مباشرة إلى روسيا، بل يسلكون مسارات عبور عبر دول ثالثة، حيث يتم ترتيب إقامتهم مؤقتا، ثم نقلهم إلى الأراضي الروسية عبر ترتيبات لوجستية منظمة.
وبمجرد وصولهم، يتولى منسقون آخرون استقبالهم واستكمال الإجراءات القانونية والإدارية، قبل نقلهم إلى مراكز التدريب.
ويقول خبراء أمنيون إن هذه المراحل تشير إلى وجود تنظيم مالي وإداري متكامل يضم وسطاء، ومنسقين، وشركات أو كيانات تجارية يشتبه في استخدامها لتسهيل عمليات السفر.
تحقيقات دولية تكشف التفاصيل
سلطت وسائل إعلام دولية الضوء على هذه القضية منذ عام 2024.
فقد نشرت صحيفة فايننشال تايمز تحقيقا استند إلى شهادات يمنيين أكدوا أنهم سافروا إلى روسيا بعد تلقي عروض عمل مدنية، قبل أن يكتشفوا أنهم مطالبون بالانضمام إلى الجيش الروسي.
كما تناولت شبكة الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP) القضية في تحقيق موسع، تحدث عن الدور الذي لعبه وسطاء وشركات تجارية في تنظيم عمليات السفر والتنسيق مع المجندين، إضافة إلى تقديم وعود بالحصول على الجنسية الروسية ومزايا مالية.
وأشارت التحقيقات إلى أن بعض المجندين وقعوا عقودا باللغة الروسية دون أن تتوفر لهم ترجمة دقيقة أو فرصة لفهم البنود التي تتضمنها.
خبير يمني الشبكات ما تزال تنشط حتى اليوم
ويقول الخبير الأمني والعسكري اليمني علي الذهب إن عمليات التجنيد لم تتوقف، بل ما تزال مستمرة مستفيدة من الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأوضح أن الوسطاء ينشطون بصورة أساسية في مناطق سيطرة الحوثيين، مع وجود متعاونين في مناطق أخرى، مشيرا إلى أن عمليات نقل المجندين تتم عبر مسارات منظمة تحقق أرباحا مالية كبيرة للقائمين عليها.
وأضاف أن توقف صرف الرواتب لسنوات في بعض المناطق، وارتفاع معدلات البطالة، خلقا بيئة مناسبة لاستغلال حاجة الشباب، ما يجعل الوعود المالية أكثر تأثيرا في قراراتهم.
وأشار إلى أن المجندين لا ينتقلون غالبا مباشرة إلى روسيا، وإنما يمرون عبر دول وسيطة قبل الوصول إلى وجهتهم النهائية.
لماذا يحتاج الجيش الروسي إلى مقاتلين أجانب؟
يرى مراقبون أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع الخسائر البشرية دفع موسكو إلى البحث عن مصادر إضافية لتعويض النقص في القوى البشرية.
وخلال الأعوام الماضية، ظهر مقاتلون أجانب من جنسيات متعددة داخل القوات الروسية، سواء عبر عقود عسكرية مباشرة أو من خلال شركات أمنية أو شبكات وساطة.
ويشير خبراء إلى أن استقطاب مواطنين من دول تعاني أزمات اقتصادية يمثل أحد الخيارات الأقل تكلفة مقارنة بعمليات التجنيد المحلية، خصوصا عندما يكون المجندون مستعدين للمخاطرة مقابل دخل مرتفع.
الاتجار بالبشر بثوب جديد
ويرى مختصون أن ما يجري يتجاوز كونه عمليات توظيف مضللة، ليقترب من أنماط الاتجار بالبشر والاستغلال المرتبط بالنزاعات المسلحة.
فالشباب الذين يسافرون بحثا عن العمل يجدون أنفسهم في بيئة مختلفة تماما، ويصبحون طرفا في حرب لا تربطهم بها أي علاقة، بينما تتراجع قدرتهم على الانسحاب أو العودة بسبب القيود القانونية والمالية والعسكرية.
كما أن غياب المعلومات الدقيقة، وعدم فهم العقود، والاعتماد على وعود الوسطاء، كلها عوامل تجعل المجندين أكثر عرضة للاستغلال.
اليمن... خزان بشري تستغله الأزمات
تؤكد هذه القضية كيف يمكن للأزمات الإنسانية أن تتحول إلى مورد تستغله شبكات عابرة للحدود.
فكلما ازدادت البطالة والفقر وانعدام فرص العمل، ارتفع عدد الشباب المستعدين للمغامرة خارج البلاد، حتى وإن كانت الوجهة مجهولة.
ويحذر خبراء من أن استمرار التدهور الاقتصادي في اليمن، بالتوازي مع استمرار الحرب في أوكرانيا، قد يؤدي إلى توسع هذه الشبكات واستقطاب مزيد من الشباب الباحثين عن أي فرصة للنجاة من واقعهم المعيشي.
تحذيرات متزايدة
وتدعو منظمات حقوقية إلى رفع مستوى الوعي بمخاطر عروض العمل غير الموثوقة، وتشديد الرقابة على شبكات السمسرة والوساطة، وتعزيز التعاون بين الدول لملاحقة الجهات المتورطة في عمليات الاستقطاب والتهريب.
كما تؤكد أهمية التحقق من أي عروض عمل خارجية عبر القنوات الرسمية، وعدم توقيع أي عقود بلغة غير مفهومة دون ترجمة قانونية مستقلة، لما قد يترتب على ذلك من التزامات خطيرة.
تكشف قصة اليمنيين الذين انتهى بهم المطاف في الحرب الأوكرانية عن وجه جديد للاستغلال في زمن النزاعات؛ حيث تتحول الحاجة إلى العمل إلى مدخل للتجنيد، ويصبح الفقر أداة تستخدمها شبكات عابرة للحدود لتحقيق مكاسب مالية على حساب أرواح الباحثين عن حياة أفضل.
وبين وعود الوظائف ورواتب الأحلام، تنتهي رحلة بعض الشباب داخل خنادق حرب لم يختاروها، في مشهد يجسد كيف يمكن للأزمات الاقتصادية والصراعات الدولية أن تتقاطع لتنتج واحدة من أكثر صور الاستغلال الإنساني تعقيدا في العصر الحديث.
ملاحظة تحريرية: يستند هذا التقرير إلى شهادات منشورة وتقارير إعلامية وتحقيقات دولية، ويعرض مزاعم ونسبًا وردت في تلك المصادر. وفي ظل صعوبة التحقق المستقل من جميع تفاصيل العمليات داخل مناطق النزاع، تبقى بعض الروايات محل متابعة وتدقيق.