ليست المسؤولية أن تجلس خلف مكتب، وتنتظر أن تأتيك التقارير والأخبار، ثم تضع توقيعك على الأوراق. المسؤولية الحقيقية تبدأ حين تنزل إلى الميدان، وتقترب من الناس، وتتابع رجالك، وتتحمل تبعات القرار في أصعب الظروف.
ومن هذا الميدان تحديداً، يمكن قراءة تجربة العميد عبدالله بن سديف الجدحي في محافظة المهرة.
رجلٌ كان بإمكانه، بحكم سنه وما راكمه من خبرة وتجربة، أن يختار لنفسه طريقاً أكثر هدوءاً، وأن يبتعد عن ضجيج المسؤولية وضغوط العمل الأمني اليومية، لكنه اختار الطريق الأصعب: أن يبقى حاضراً، وأن يعمل، وأن يتحمل.
في النهار، تجده في مكتبه، يتابع تفاصيل العمل وقضايا المحافظة، وفي الليل تستمر المسؤولية، وتتحرك الدوريات الأمنية لحماية الأمن والاستقرار، وكأن ساعات العمل لا تنتهي عند حدود الدوام الرسمي.
هذه ليست صورة مصطنعة، ولا مديحاً مجانياً لرجل في موقع مسؤولية؛ إنها مشاهد يراها أبناء المهرة وتتكرر أمامهم، والإنصاف يقتضي أن نقول ما نراه، وأن نعترف بالجهد حين يكون واضحاً في الميدان.
عبدالله بن سديف لا يتعامل مع الأمن باعتباره وظيفة تنتهي بانتهاء ساعات الدوام، بل باعتباره مسؤولية مستمرة.
والأهم من ذلك أنه لا يبحث عن الحضور الشخصي فقط، وإنما يحاول أن يجعل من الانضباط والالتزام قاعدة للعمل الأمني، موجهاً قادته وأفراده، ومطالباً بأن يكون رجل الأمن في مستوى المسؤولية التي يحملها، وأن يدرك أن حماية الناس ليست شعاراً يرفع، بل واجباً يُؤدى كل يوم.
لكن المسؤول الأمني، مهما بلغت قدرته، لن يستطيع وحده أن يحمي محافظة بأكملها ما لم يجد مجتمعاً يقف إلى جانبه.
وهنا تقع المسؤولية على أبناء المهرة أيضاً.
فالمهرة ليست مجرد مساحة جغرافية أو محافظة ذات موقع استراتيجي؛ إنها أرض لأبنائها، وهم الأحق بأن يكونوا شركاء في حماية أمنها واستقرارها وإدارة شؤونها، وأن يساندوا مؤسساتها، ويقفوا مع كل جهد يسعى إلى ترسيخ النظام والقانون.
المطلوب ليس أن يتحول الجميع إلى رجال أمن، وإنما أن يتوقف أبناء المحافظة إلى جانب مؤسساتهم، وأن يساعدوا المسؤولين المخلصين على أداء واجباتهم، وأن يكونوا جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة.
فالاستقرار لا يُفرض بالقوة وحدها، ولا تصنعه الدوريات الأمنية بمفردها، بل يحتاج إلى مجتمع يحترم القانون، ومسؤول يلتزم بواجبه، ومؤسسة أمنية منضبطة، وأبناء يشعرون بأن أمن محافظتهم مسؤوليتهم قبل أن يكون مسؤولية الآخرين.
وفي المهرة اليوم، تبدو الحاجة أكبر إلى تعزيز الانضباط، وتثبيت حضور الدولة، وترسيخ احترام المؤسسات، وإبعاد العمل الأمني عن التجاذبات والمصالح الضيقة.
ومن ينزل إلى الميدان ويعمل، من حقه أن يجد من يسانده، ومن يراقب أداءه وينقده إن أخطأ، لكن دون تحويل النقد إلى خصومة، أو الاختلاف إلى استهداف، أو الجهد إلى مادة للمزايدات.
فالإنصاف ليس أن نمدح كل مسؤول، كما أنه ليس أن نهاجم كل مسؤول؛ الإنصاف أن نقول للمخلص: أحسنت، وللمخطئ: أخطأت، وأن يكون معيارنا في الحالتين هو مصلحة المهرة وأبنائها.
وإذا كان العميد عبدالله بن سديف الجدحي قد اختار الميدان، رغم ما فيه من ضغوط وتحديات، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إليه وإلى كل من يعمل معه واضحة:
واصلوا العمل، واحموا الناس، واحترموا القانون، وكونوا قريبين من أبناء المهرة.
أما أبناء المهرة، فعليهم أن يدركوا أن المحافظة لن يحميها الآخرون نيابة عنهم، وأن أمنها واستقرارها ومصالحها تبدأ من وعي أبنائها، ومن قدرتهم على الوقوف صفاً واحداً خلف مؤسساتهم، ومحاسبة المقصرين، ودعم المخلصين.
في النهاية، قد تتغير المناصب، وقد تتبدل المواقع، لكن ما يبقى هو أثر الرجل في المكان الذي خدم فيه.
والعميد عبدالله بن سديف الجدحي اختار أن يترك أثره في الميدان.
وفق الله كل من أخلص في خدمة المهرة وأبنائها، وسدد خطى العميد عبدالله بن سديف الجدحي لما فيه خير البلاد والعباد.