آخر تحديث :الخميس-16 يوليو 2026-11:35م
أخبار وتقارير

بين الدرعية وحضرموت… وثائق لا يمكن إسكاتها

الخميس - 16 يوليو 2026 - 09:16 م بتوقيت عدن
بين الدرعية وحضرموت… وثائق لا يمكن إسكاتها
المصدر: كتب/ م. صالح بن سعيد المرزم:

ليست كل الوثائق مجرد أوراقٍ صفراء أكل الدهر أطرافها، فبعض الوثائق يهدم روايات كاملة، ويعيد رسم الخرائط الذهنية قبل الخرائط السياسية.


والوثائق التي بين أيدينا، والمتعلقة بالمعاهدات والمراسلات بين الدولة السعودية الأولى وزعماء حضرموت، ليست مجرد مراسلات عابرة، بل تمثل شاهدًا تاريخيًا على وجود علاقة سياسية مباشرة بين الطرفين في مطلع القرن التاسع عشر، وتكشف أن التواصل بين الدرعية وحضرموت كان قائمًا على التفاوض والاعتراف المتبادل، وليس على الفراغ الذي يحاول البعض تصويره.


هذه الحقيقة وحدها كافية لإجبار كثير من الروايات الحديثة على إعادة قراءة التاريخ.


فالدول لا تعقد الاتفاقيات مع الفراغ.


ولا تراسل كيانات لا تعترف بوجودها.


ولا تحترم النفوذ المحلي إلا إذا كان يمتلك وزنًا سياسيًا وقبليًا حقيقيًا.


وتشير الوثيقة المتداولة إلى اتفاق مع أحد قادة الدولة السعودية الأولى، الأمير ابن قملا، مع مشايخ آل باوزير، يتضمن تنظيم العلاقة بين الطرفين واحترام مناطق النفوذ وعدم الاعتداء المتبادل، كما تذكر رسالة لاحقة تؤكد الالتزام بما تم الاتفاق عليه. وهذه الوثائق وفق التحقيق الأكاديمي والأرشيفي، فإنها تمثل دليلًا مهمًا على طبيعة العلاقات السياسية في تلك المرحلة.


إن أهمية هذه الوثائق لا تكمن فقط في مضمونها… بل في دلالتها. فهي تؤكد أن حضرموت لم تكن هامشًا سياسيًا في الجزيرة العربية، وإنما كانت طرفًا حاضرًا في معادلاتها الكبرى.


وكانت الدولة السعودية الأولى تدرك أهمية حضرموت ومكانتها، كما كانت القيادات الحضرمية تدرك ثقل الدولة السعودية الصاعدة آنذاك.


وهذا ليس مستغربًا.


فالجزيرة العربية لم تكن يومًا جزرًا منفصلة.


بل كانت فضاءً واحدًا، تتحرك فيه القبائل والعلماء والتجار، وتتداخل فيه المصالح والأنساب والمذاهب والأسواق.


ومن يقرأ تاريخ الهجرات الحضرمية إلى نجد والحجاز، أو دور العلماء الحضارم في مختلف أقاليم الجزيرة، يدرك أن الروابط بين الطرفين أعمق من حدود السياسة، وأنها تمتد إلى المجتمع والثقافة والدين والاقتصاد.


ولهذا…


فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل كانت هناك علاقة بين حضرموت والدولة السعودية الأولى؟ فالوثائق تشير إلى وجود هذا التواصل.


السؤال الأهم هو: ماذا يعني ذلك للمستقبل؟

إن الأمم التي تمتلك ذاكرة تاريخية تستطيع أن تبني مستقبلها بثقة.


أما الأمم التي تنكر تاريخها، فإنها تعيش أسيرة لحاضرٍ مضطرب.


إن التاريخ لا يفرض مستقبلًا بعينه…


لكنه يوضح أن العلاقات بين الشعوب قد تكون أعمق وأقدم مما يتخيله كثيرون.


ومن هنا تأتي العبارة التي يرددها كثير من أبناء المنطقة:


الحضرمي سعودي… والسعودي حضرمي.


وليس المقصود بها وصفًا قانونيًا للجنسية، بل التعبير عن عمق الامتداد الحضاري والاجتماعي والإنساني الذي تشكل عبر قرون من المصاهرة والهجرة والتجارة والعلم والتواصل.


فالدم اختلط.


والبيوت تداخلت.


والأسواق توحدت.


والعلماء ارتحلوا بين حضرموت ونجد والحجاز.


وأصبحت العلاقة أكبر من أن تختصر في حدود رسمتها السياسة الحديثة.


ولهذا فإن الوثائق التاريخية ليست مجرد مادة للأرشيف…


بل هي مفاتيح لفهم المستقبل.


ومن لا يقرأ ماضيه قراءة صحيحة…


سيظل عاجزًا عن فهم ما ينتظره غدًا.


إن هذه الوثائق تستحق أن تُحقق علميًا، وأن تُنشر كاملة، وأن تُدرس في إطار تاريخ الجزيرة العربية، لأنها تضيف بعدًا مهمًا لفهم العلاقات بين الدولة السعودية الأولى وقيادات حضرموت في ذلك العصر، بعيدًا عن المبالغات أو الإنكار، وبالاستناد إلى الأدلة والوثائق الأصلية.